لا عدالة انتقالية بدون الدولة الوطنية الديمقراطية*الرفيق فجلي مصطفى
لا عدالة انتقالية بدون الدولة الوطنية الديمقراطية*الرفيق فجلي مصطفى
بينما كانت الجيوش النازية تجتاح إقليمي ألزس Alsace و أورن Orne الفرنسيين أثناء قيام الحرب العالمية الثانيه، عمدت سلطات الحماية الفرنسية في المغرب الى الاستيلاء على مخازن الحبوب و متامير الفلاحين في المغرب و توظيف جميع المذخرات لفائدة الحرب، مما أدى إلى مجاعة راح ضحيتها عدد كبير من المغاربة. وقع هذا في السنوات الأولى من عقد الأربعينات من القرن الماضي، و توصف سنة 43 في الذاكرة الشعبية لدى المغاربة 《بعام الحلبة》. اي سنة الجوع، كان يقتات فيها الناس بمادة الحلبة الممنوحة من الدولة الأمريكية للمغاربة كقوت و غذاء يومي في إطار التكافل الإقتصادي بين الحلفاء. أدى هذا بالدوائر العليا في فرنسا الى التفكير ضمن نظرية المغرب النافع و غير النافع، بجعل سهل تادلة سلة غذائية لها و عموم مستعمراتها لما تتوفر عليه من أراضي خصبة شاسعة، و وديان و جداويل متدفقة، و إمكانيات هائلة من المياه الجوفية، جعلت الإستعمار يفكر في إصلاح زراعي شامل بإقامة سد على ملتقى نهري "وادي العبيد" و "أحنصال" "ببين الويدان" لسقي سهل "بني موسى"، و خمسة سدود في حوض نهر "أم الربيع" ، و سدين آخرين على كل من "وادي درنة" قرب بلدة تاغزيرت و مجرى مياه "بونوال" الكائن في الطريق الجبلية بين قصيبة موحى اوسعيد و أغبالة، و الذي كان سيكون سدا كبير الحجم وصفه الفرنسيون آنذاك و هم يعدون للمشروع ب: la casserole . و كان يتوخى من هذا المشروع توفير الأمن الغذائي بإقلاع انتاج الحبوب و الخضروات و القطاني و اللحوم و الألبان و مشتقاتها من مرة الى الف...
و بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، و سقطت عصبة الأمم و معها النازية و الفاشية، ثم نشوء الأمم المتحدة و ميثاقها الأممي، و ولادة حركات التحرر المطالبة بالإستقلال و الإنعتاق ضد العهود البائدة للإستعمار و الحِجر على الشعوب التواقة للحرية و الديمقراطية و الإشتراكية.
و في خضم هذا تشكلت الحركة الوطنية المغربية المطالبة بالإستقلال الوطني للمغرب من نير الإحتلال الإستعماري، الشيء الذي افضى الى ما أفضى إليه فيما يعرف بمحادثات "اكس ليبان" في ظروف غير متكافئة بين القطب الإستعماري و عملائه من الرجعيين و الحركة الوطنية، الغير متجانسة الأقطاب و المكونات، في ظل واقع غير متكافىء على مستوى الفرص يختل فيه ميزان القوى لفائدة الإستعمار و عملائه. مما أدى إلى إستقلال شكلي خرج فيه المستعمر من الباب و رجع من النافذة حسب ما قاله الشهيد المهدي بنبركة في إحدى محاضراته.
إن هذه التطورات الدولية و الوطنية في تلك الحقبة من التاريخ و بمغادرة الفرنسيين لم ينجز من مشروع الإصلاح الزراعي السالف الذكر إلا سدين فقط، و هما سد "بين الويدان" الذي يسقي جزء هام من أراضي بني موسى ، و سد "الزيدانية" بقصبة تادلة الذي يسقي أراضي بني عمير.
و بالرغم من الإرادة الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية المعبر عنها في مغرب ما بعد الإستقلال من خلال التصميمين الخماسيين: الأول و الثاني، الذي انتهى سنة 1977 ، و اللذان كانا شعارهما سقي المليون هكتار بإقامة السدود، و الزيادة في إنشاء معامل السكر و القطن، و توزيع الأراضي المسترجعة على الفلاحين في إطار إصلاح زراعي. و مربط الفرس هو أن منطقة تادلة، و لأسباب سياسية، لم تستفد من تلك التصاميم و السياسات، التي قيل أنها إصلاحية و تنموية، على كافة المستويات، إقتصاديا و إجتماعيا و سياسيا، طيلة ما يناهز 70 سنة من الإستقلال الشكلي، تغيب فيه كل إمكانية للتقدم و النشوء الإجتماعي و الإقتصادي لتحقيق الرفاهية و العيش الكريم، حيث ظلت هذه المدينة المناضلة و سهلها الشاسع تقتصر على إمكانياتها الإقتصادية في عائدات و حوالات الجنود و العسكريين العاملين في الثكنتين المتواجدتين بالمدينة، القاطنين منهم بالأحياء السكنية، و الموظفين الصغار العاملين بمختلف القطاعات - التعليم + البلدية + الماء و الكهرباء + الأشغال العمومية - مما جعل الرواج الإقتصادي و التجاري في ركوض و ضعف قاتل لكل أسباب الحياة يصل الى درجة جريمة إقتصادية و إجتماعية و سياسية، التي تعود فيها المسؤولية للدولة.
و كانت النتيجة لما يقارب 70 سنة تكريس إختيارات طبقية قاسية ضد الطبقات الشعبية الكادحة عانت منها منطقة سهل تادلة أكثر من غيرها من المناطق. مما تسبب، واقعيا و موضوعيا، بهجرة أجيال متعاقبة للديار الأوروبية، بحثا عن الحرية و الكرامة، و العيش الرغيد. الشيء الذي تكرس الى أن ادى ببلدان الإتحاد الأوروبي فرض التأشيرة على المهاجرين، و أدى ذلك إلى صعوبة جديدة لدى الشباب الراغب في الهجرة و الهروب من واقع صعب الى ابتكار ما يسمى بظاهرة "الحريك" التي مازالت تحصد أرواح عدد كبير من الشباب المهاجر للبحث عن حياة أفضل...
و اليوم بعد أن سقطت كل الشعارات و الإدعاءات الكاذبة، التي كرست لأمل مزيف و كاذب و على كافة المستويات، الديمقراطية و الإنسانية و المدنية و الإقتصادية و الإجتماعية، بقوة الواقع. فادعاء الديمقراطية و تبريرها بمؤسسات مزيفة للاستهلاك الداخلي و الخارجي دون أن ترتكن و تلتزم بمقومات الديمقراطية البورجوازية: - مبدأ السيادة الشعبية الحقيقية، التي يكون فيها الشعب مصدرا لكل السلط؛ - مبدأ فصل السلط، و تحديدها؛ - مبدأ التوزيع العادل للثروة و المال. لأن الديمقراطية قبل أن تكون مدنية و سياسية و ثقافية فهي إقتصادية و إجتماعية كذلك.
و السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم بعد 70 سنة، و بعد تبني المغرب للعدالة الإنتقالية، كمقاربة للانتقال بالبلاد من طور الى طور أحسن داخل نفس بنية النظام السائد، و يقدم نظام الحكم تجربته في العدالة الإنتقالية كتجربة رائدة ضمن التجارب العالمية للعدالة الإنتقالية في غياب تام للالتزام بالكشف عن الحقيقة، و اعتذار الدولة، و حفظ الذاكرة الجماعية و الفردية للشعب المغربي، و جبر الضرر الفردي و الجماعي للضحايا و المجتمع، دون أن ينفذ التوصيات الفردية و الجماعية الصادرة عن هيئة الإنصاف و المصالحة وفق مقاربة العدالة الإنتقالية، و من بينها التوصية المتعلقة بالمناطق التي عانت من القهر و الإستبداد و التهميش و الإقصاء الذي مازال مستمرا و على رأسها منطقة تادلة و جهة بني ملال خنيفرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق