واشنطن تصعّد حربها ضد جنوب إفريقيا...لماذا ماليما مستهدف؟
واشنطن تصعّد حربها ضد جنوب إفريقيا: من قطع المساعدات إلى التهديد باعتقال أكبر أصوات المعارضة، جوليوس ماليما، مؤسس حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية (EFF)، وإعلانه مجرمًا دوليًا.
لماذا ماليما مستهدف؟
1. السيطرة الاقتصادية والتفاوت الطبقي.
رغم انتهاء الفصل العنصري "سياسيا" بشكل رسمي، إلا أن الاقتصاد الجنوب إفريقي لا يزال خاضعًا لهيمنة نخبة محدودة، خاصة في قطاعات التعدين والطاقة والموارد الطبيعية. هذه النخبة، التي استفادت لعقود من سياسات التمييز العنصري، ما زالت تسيطر على مفاصل الاقتصاد، بينما تعاني الأغلبية السوداء التي تشكل العمود الفقري لقطاعات الإنتاج والتصنيع والتعدين والزراعة من ظروف معيشية أسوأ مما كانت عليه في ظل النظام العنصري.
لم يؤدِ "التحول الديمقراطي" عام 1994 إلى أي تغيير جوهري في توزيع الثروة، بل على العكس، ازداد التفاوت الطبقي واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فبالرغم من إلغاء القوانين العنصرية رسميًا، لا يزال الملايين من العمال السود يعانون من أجور متدنية، واستغلال ممنهج، وغياب فرص حقيقية للترقي الاجتماعي، في حين يحتفظ ورثة المستوطنين بنفوذهم الاقتصادي والسياسي.
في هذا السياق، يشكّل ماليما وحزبه تهديدًا لهذه البنية الطبقية المتجذرة، وليس "البيض" كما تروج واشنطن. فبرنامجه يقوم على تفكيك احتكار الثروة عبر إصلاحات جذرية تشمل إعادة توزيع الأراضي وتأميم القطاعات الحيوية، وهي سياسات تقوض الامتيازات التاريخية للنخب الاقتصادية المتحالفة مع المصالح الغربية. لذا، يتعرض ماليما لحملات تشويه منظمة، داخليًا وخارجيًا، بهدف عرقلة صعوده السياسي والجماهيري.
2. إيلون ماسك والحملة ضد ماليما.
الملياردير إيلون ماسك المقرّب من دونالد ترامب، الذي أصبح رأس الحربة في الهجوم على ماليما، لم يخفِ تحريضه العلني ضده، حيث نشر تغريدات صريحة يدعو فيها إلى فرض عقوبات دولية على ماليما وحزبه، متذرعًا بأنه "تهديد شيوعي للسكان البيض"!!!
لكن خلف هذه الادعاءات الزائفة يكمن واقع مختلف: ماسك، الذي ولد في جنوب إفريقيا لعائلة استفادت بشكل مباشر من نظام الفصل العنصري، ليس مجرد رجل أعمال، بل جزء من شبكة مصالح عالمية ترى في أي مشروع تحرري تهديدًا لاستثماراتها. فكما دعمت الولايات المتحدة سابقًا أنظمة قمعية للحفاظ على نفوذ الشركات العابرة للقارات، يسير ماسك اليوم على النهج نفسه، مستخدمًا نفوذه الإعلامي والسياسي في محاولة لخنق أي حركة تهدف إلى العدالة الاجتماعية في جنوب افريقيا.
القضية الفلسطينية: العامل الذي لا يمكن تجاهله.
إلى جانب مواقفه الداخلية، فإن أحد أبرز أسباب استهداف ماليما هو موقفه الثابت من القضية الفلسطينية. فمنذ بدء العدوان الأخير على غزة، تحوّل ماليما وحزبه إلى أحد أكثر الأصوات دعمًا للقضية الفلسطينية، من خلال:
1. قيادة احتجاجات حاشدة أمام السفارة الإسرائيلية، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف رئيسي في الخطاب السياسي الجنوب إفريقي.
2. التصويت في البرلمان لصالح إغلاق السفارة الإسرائيلية وقطع العلاقات الدبلوماسية، في خطوة تاريخية غير مسبوقة.
3. الضغط على حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) لمقاضاة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما حدث بالفعل، حيث كانت جنوب إفريقيا أول دولة توجه اتهامًا رسميًا لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية.
هذا التحرك أربك واشنطن وتل أبيب، اللتين اعتادتا على إبقاء مواقف الدول الإفريقية تحت السيطرة من خلال الضغوط الاقتصادية والسياسية. لكن ماليما وحزبه كسروا هذه القاعدة، مما دفع الولايات المتحدة إلى تصعيد استهدافهم، في محاولة لردع أي حزب أو حركة تفكر في السير على النهج ذاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق