قراءة في الغاء عيد الاضحى بين الرفيقين فؤاد عبد المومني وأبو علي بلمزيان.
ما يشي به قرار إلغاء شعيرة عيد الأضحى
القرار الملكي الذي يهيب بالمغاربة الاستغناء عن ذبح الأضحية هذه السنة له وجاهة لا يمكن إنكارها، لما ننظر لحالة قطيع المواشي ولحالة الأسر التي تضحي بالكثير من الأساسيات من أجل اقتناء الكبش. ولكن هذه الوجاهة لا تغني عن مناقشة التبعات والأسباب والتدبير والحكامة والبدائل.
1 التبعات : ما مصير العالم القروي الذي سيتعرض توازنه المالي لضربة هائلة لحرمانه من تحويلات يمكن تقديرها بعشر مليارات درهم كان منتظرا أن تنتج عن بيع الأضاحي ؟ كيف ستتم معالجة إفلاس المقاولات الفلاحية بسبب حرمانها من دخل تربية المواشي ؟ وماذا سيكون مصير عشرات الآلاف من مربي المواشي الذين استثمروا واستلفوا واشتروا الأغنام والأعلاف بأثمان باهظة وسيبور عملهم لأن ثمن البيع سيصبح أقل بكثير جدا من الكلفة الحقيقية ؟
2 الأسباب : ما حكم الاختيارات التي أدت إلى تقلص النشاط الرعوي لفائدة الفلاحة التصديرية ؟
3 التدبير : ما معنى أن تعلن الدولة عن الدعوة للاستغناء عن العيد مائة يوم قبل تاريخه، أي بعد أن وصل مربو المواشي للمرحلة الأخيرة من دورتهم وتورطوا في كلفة ضخمة، في حين أن حالة القطيع معروفة بدقة منذ زمن بعيد، ولا شيء كان يمنع من إعلان هذا القرار منذ شهور خلت ؟ وهل ستترك الإدارة المواطنين يفعلون ما يرونه، ويبيعون ويشترون ويذبحون إن أرادوا، وأفترض أن تكون هذه أقلية، أم سترجع بنا إلى زمن الحسن الثاني، لما كان المقدمون ومصالح الاستخبارات تتجسس على من يستعد للذبح وتأخذه للتعذيب لتجعله عبرة للآخرين حفاظا على "هيبة المخزن" ؟!
4 الحكامة : ما معنى أن يغيب البرلمان والأحزاب عن هذا النقاش وألا يفيدونا بتحاليلهم ومقترحاتهم حتى تتبارى ويساهم كافة المعنيين في النقاش العمومي ؟ هل لا يستحي قادة الأحزاب الذين سيجتمعون الليلة على عجل ليدبجوا البيانات التي تؤيد القرار الحكيم وتؤيد الرأي الرشيد، ولا تتوقف عند ما له وما عليه ؟
5 البدائل : لن نوفر بدائل متينة ما لم نعترف بأن شعار المغرب بلد فلاحي شعار كاذب، وبأن سياسة البذخ وكلفة القصور والعسكرة وإرشاء النخب انتحار جماعي، وبأن الخيارات التي وجهت عالمنا القروي قرارات فاشلة، وبأن النظام يعمل لفائدة المضاربين والسماسرة وليس لفائدة عموم الشعب، وبأن الاستراتيجيات يجب أن تُطرح للنقاش العمومي بكافة إمكانيات الاطلاع والفهم والمشاركة لأوسع الفئات، وبأن المسؤولين عن الخيارات والتدبير يجب أن يُحاسبوا على ما فعلوا وعلى ما نتج عما فعلوا، وبأن حكومة وبرلمانا وأحزابا لا تتحمل مسؤولية تنشيط النقاش العمومي وتباري المشاريع وتقييم المنجزات ومحاسبة المسؤولين لا تستحق الوجود والاحترام.
فؤاد عبد المومني
خداع الكلمات وتبرير القرارات: تفكيك مغالطات عبد الحميد جماهري.
كتب السيد عبد الحميد جماهري تدوينة على حائطه الفيسبوكي جاء فيها :
" لعلها المرة الاولى التي يوجه فيها الملك رسالة الى الشعب..
الملك طلب عدم القيام بها هذه السنة
وهو لم يأمر بعدم القيام بها
ولا وجه تعليمات الى الحكومة مثلا للحرص على عدم اقامتها بل طلبها من الشعب مباشرة...فرق كبييير...
الاضحية في ملعب الشعب..
والشعب كان ينتظر رسالة وصلت في وقتها!"
والحال أنه لا يحتاج الأمر إلى عبقرية لغوية أو منطق ملتوٍ حتى نكشف عن تهافت خطاب السيد عبد الحميد جماهري ومحاولته اليائسة في إضفاء طابع "اللعب على الكلمات" لتبرير ما لا يبرر، وكأن الحقيقة تخضع للتلاعب اللفظي بدل أن تكون تعبيرا عن الواقع المادي الفعلي. فحين يقول إن "الملك لم يلغِ الشعيرة ولا العيد، بل طلب عدم القيام بها"، فإنه يحاول الالتفاف حول الحقيقة الساطعة، وكأنّ هناك فرقاً جوهرياً بين الإلغاء والطلب الرسمي بعدم التنفيذ. هل كان الملك بحاجة إلى أن يصدر مرسوماً رسمياً حتى نفهم أن الأمر يتجاوز مجرد "طلب"؟ أم أن خطاب السلطة يحمل في جوهره قوة الإلزام حتى حين يصاغ بعبارات تبدو ناعمة؟ هذه مناورة مكشوفة لمن اعتادوا على التبرير والتأويل لصالح النظام، حتى وهم يدّعون التحليل السياسي العميق.
الملك لم يلغِ العيد، لكنه طلب عدم القيام به، ولا يبدو أن هناك أي اختلاف موضوعي بين العبارتين إلا في محاولة تضليلية لتخفيف وقْع القرار على المخيال الشعبي. فبأي معنى يُعتبر الإلغاء غير حاصل إذا كان المضمون واحداً؟ هل يتوقع منا جماهري أن نؤمن بأن الناس سيحتفلون بالعيد كالمعتاد لمجرد أن النص الرسمي لم يستخدم كلمة "إلغاء" بشكل صريح؟ هذه الحيلة اللغوية لا تنطلي إلا على من يريدون تبرير القرارات السلطوية بإضفاء طابع وهمي من المرونة، في حين أن جوهر القرار واضح: الدولة، من خلال رأسها، قررت أن لا يكون هناك عيد أضحى، بغض النظر عن الصياغة التي تم تبنيها.
أما عندما يقول إن "الأضحية في ملعب الشعب"، فإنه يبلغ ذروة التلاعب والالتفاف. فهل حقاً بات للشعب خيار في مثل هذه القرارات؟ هل النظام الذي يفرض هيمنته المطلقة على كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية سيترك هذا القرار للشعب ليختار بحرية؟ منذ متى تُتخذ القرارات السياسية الكبرى بناءً على "رغبة الشعب" في نظام كهذا؟ هذه محاولة مفضوحة للتنصل من حقيقة أن القرار كان سيادياً بامتياز، وليس مجرد "اقتراح" وديّ يترك للشعب حرية القبول أو الرفض.
الملك لم يوجه تعليمات إلى الحكومة؟ طبعاً، لأن القرار اتُّخذ بطريقة تتجاوز الحكومة نفسها، التي ليست سوى أداة تنفيذية بلا سلطة فعلية. وحين يوجه الملك خطاباً مباشراً إلى الشعب، فهذا يعني أن القرار صادر من أعلى هرم السلطة دون الحاجة إلى المرور عبر قنوات شكلية لا تمتلك سلطة الفعل أو القرار. إن محاولة جعل هذا التفصيل لعبة لغوية توحي بأن القرار لم يكن إلزامياً هي مجرد محاولة بائسة لخداع الوعي العام، وإيهام الناس بأن الأمر لا يعدو كونه اقتراحاً عادياً يمكن رفضه أو تجاوزه.
أما قوله بأن "الشعب كان ينتظر رسالة وصلت في وقتها"، فهو أكثر الجمل تكريساً للاستلاب والتسليم بالأمر الواقع. أي شعب هذا الذي كان ينتظر؟ وكيف تم قياس هذا الانتظار؟ هل استُشير الشعب في أي لحظة من اللحظات؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد تهيئة الرأي العام لتقبّل القرار على أنه "استجابة" لرغبة غير معلنة، في حين أنه كان مفروضاً من فوق؟ هذه التقنية في الخطاب ليست جديدة، بل هي جزء من منهجية تطويع الوعي الجماعي عبر إيهامه بأنه كان طرفاً في صناعة القرار، بينما في الحقيقة لم يكن سوى متلقٍ له، بلا حول ولا قوة.
إن هذا النوع من التبرير الذي يتقنه جماهري وأمثاله ليس سوى امتداد لخطاب يحاول دائماً أن يُلبس القرارات السلطوية لبوس الحكمة والذكاء والتكتيك السياسي، بينما في الحقيقة لا يتجاوز الأمر كونه فرضاً لقرار أحادي، أُحيط بلغة تبدو أقل صدامية، لكنها لا تغيّر من جوهر المسألة شيئاً. إن واقعنا السياسي لا يحتاج إلى "تحليل" يتذاكى في التمييز بين "الإلغاء" و"الطلب بعدم التنفيذ"، بل يحتاج إلى تسمية الأشياء بأسمائها: العيد قد أُلغي بقرار سياسي، والشعب لم يكن طرفاً في صنع هذا القرار، وكل تبرير لغوي لهذا الواقع ليس سوى تزويق فجّ للحقيقة.
- أبو علي بلمزيان.
- الحسيمة في 27 فبراير 2025.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق