عن مقال عبد الحق عندليب*أبو علي بلمزيان.
إن القراءة النقدية الجذرية لمقال عبد الحق عندليب المنشور على صفحات جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد ١٣٩٧١ ليوم الجمعة 21 فبراير 2025 في صفحته الأولى تحت عنوان" الاتحاد..فكرة ولدت لكي لا تموت مهما حاولوا قتلها..."، تقتضي الانطلاق من تحليل العلاقة الجدلية بين الخطاب المقدم والواقع الموضوعي لحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي لم يعد سوى شبح لما كان عليه حين خط الشهداء درب نضالاته. لقد أصبح الحزب أداة في يد القوى البرجوازية الإصلاحية، متخليا عن كل أسس النضال الطبقي الحازم الذي رسمه رواده الأوائل، وعلى رأسهم المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد. إن الحديث عن "فكرة لا تموت" هو مجرد محاولة لإخفاء التفسخ الأيديولوجي والانحراف السياسي الذي قاد الحزب إلى الارتماء في أحضان الرجعية.
في الزمن الذي كان فيه الاتحاد الاشتراكي يحمل مشعل الصراع ضد الدولة المخزنية، ويطرح سؤال الثورة الوطنية الديمقراطية، نراه اليوم يذوب في مؤسسات النظام، يطبع مع قوى الهيمنة، ويتحول إلى مجرد وسيط في إعادة إنتاج نفس البنية الطبقية القائمة. فكيف يمكن الحديث عن الاستمرارية، وعن صمود الفكرة، والحزب قد تخلى عن كل مقوماته الثورية؟
إن المراهنة على الشعارات الفارغة، والاكتفاء بالحديث عن التاريخ النضالي، دون نقد ذاتي حقيقي لمسار التحريف والانتهازية، ليس سوى محاولة يائسة لتمويه الجماهير، وإخفاء الحقيقة المرة: لقد تحول الاتحاد الاشتراكي إلى جزء من النظام الذي كان يدعي معارضته. فتحالفاته الهجينة، ومواقفه الانتهازية، أثبتت أن الحزب لم يعد معنيا بالصراع الطبقي، بل بات مجرد أداة لتأبيد الهيمنة الطبقية.
إن المقال يتحدث عن "المؤامرات" و"المحاولات لإسقاط الاتحاد"، وكأن الحزب لا يتحمل مسؤولية سقوطه الأخلاقي والسياسي. فيحين أن حقيقة انحدار الحزب لم يكن نتيجة لمؤامرة خارجية، بل كان نتيجة منطقية لمسلسل طويل من التنازلات، بدأ من القبول بمنطق الإصلاحات الشكلية، إلى الاندماج الكلي في لعبة النظام. إن المناضلين الحقيقيين لم يبتعدوا عن الحزب لأنهم تعرضوا لخداع خارجي، بل لأنهم وجدوا أنفسهم أمام جهاز بيروقراطي متكلس، فاقد لأي مشروع تحرري، وعاجز عن تقديم أي بديل سياسي جذري.
أما الحديث عن "الشرعية التاريخية"، فهو محاولة يائسة لإضفاء الشرعية على كيان لم يعد يمثل سوى ظل مشوه لما كان عليه. الشرعية لا تكتسب بمجرد الانتماء الرمزي إلى إرث النضال، بل تتحقق بالمواقف والممارسة. وأي شرعية لحزب يشارك في حكومات برجوازية، ويدافع عن خيارات ليبرالية متوحشة، ويطبع مع الاستبداد؟ إن الحزب الذي كان يرفع شعار النضال ضد المخزن، صار جزءا من بنيته، يشتغل وفق قواعد لعبته، وينافس في نفس مساحاته الضيقة.
إن منطق "المظلومية" الذي يحاول المقال تبنيه، عبر تصوير الحزب كضحية لمخططات تستهدفه، ليس سوى تهرب من مواجهة الواقع. كما أن سقوط الاتحاد الاشتراكي لم يكن قدرا محتوما، بل كان خيارا سياسيا اتخذته قياداته حين فضلت طريق التوافقات الانتهازية على طريق المواجهة الثورية. لقد كان بإمكان الحزب أن يختار طريقا آخر، طريق إعادة بناء نفسه كحزب اشتراكي جذري، يعيد وصل ما انقطع بينه وبين الجماهير الشعبية، ويستعيد روح المهدي بنبركة الذي لم يكن ليقبل بتحويل التنظيم إلى أداة انتخابية مفرغة من أي محتوى ثوري.
إن الخلاص لا يكون بالتمسك بالأوهام، ولا بترديد الشعارات الجوفاء حول "استمرارية الفكرة"، بل يكون فقط عبر القطع التام مع الخط الإصلاحي، والعودة إلى الجذور الثورية، وإلى النضال الحقيقي ضد الرأسمالية المتوحشة، وضد الدولة المخزنية، وضد كل مظاهر التواطؤ مع أعداء الشعب. أما غير ذلك، فلن يكون سوى استمرار في إنتاج الوهم، وإطالة عمر كيان فقد مبرر وجوده منذ أن اختار الانحناء بدل المواجهة، والتدجين بدل النضال.
الحسيمة في 21 فبراير 2025.
أبو علي بلمزيان.
للتوضيح : النقد لا يعني العداء بل هو تفاعل سياسي ...
نظرًا للاهتمام المتزايد من القراء والأسئلة المطروحة، نرى ضرورة تقديم توضيح مفصل لتبسيط النقاط الغامضة وتعزيز الفهم الشامل للموضوع. إن هذا التفاعل يعكس أهمية التعليق، مما يحفزنا على تقديم إجابات دقيقة وموضوعية تسهم في إثراء النقاش وتعزيز الوعي الجماعي.
إن النقد الذي يوجه اليوم للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا ينطلق من موقع معادٍ له، بل ينبع من أسف شديد على مآله، نظراً لما كان يمثله في الماضي من رافعة نضالية وقوة تقدمية شكلت حاجزاً في وجه السلطوية وهيمنتها على الحقل السياسي. إن استعراض مسار هذا الحزب وتطور خطه السياسي يكشف أن التحولات التي طرأت عليه لم تكن قدراً محتوماً، بل جاءت نتيجة اختيارات سياسية محددة أدت إلى تحوله من تنظيم اشتراكي مناهض للنظام إلى حزب مدمج في بنيته.
حينما كان الاتحاد الاشتراكي يحمل راية الصراع ضد الحكم الفردي ويؤطر نضالات الجماهير في أفق ثورة وطنية ديمقراطية، كان موقعه واضحاً ضمن معسكر القوى التي تسعى إلى تغيير البنية السياسية والاجتماعية لصالح الطبقات الشعبية. لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل كان تعبيراً عن إرادة التغيير الجذري ومراكمة الوعي الطبقي لدى الجماهير، مستنداً إلى تقاليد نضالية أرستها تجارب تاريخية حملها رواده الأوائل الذين دفعوا ثمناً غالياً لمواقفهم.
إن المسألة المركزية التي يثيرها النقد الراديكالي لهذا الحزب اليوم ليست مجرد مسألة أخطاء في التقدير السياسي، بل هي مسألة انزياح جوهري في موقعه داخل الصراع الطبقي. فبينما كان يشكل جزءاً من الحركة الاشتراكية المناهضة للنظام الراسمالي واللبرالي وسلطة المخزن، أصبح تدريجياً جزءاً من منظومة الحكم نفسها. هذا التحول لم يكن نتيجة ظروف موضوعية حتمية، بل جاء كنتيجة لانحراف متدرج بدأ بقبول منطق التسويات مع النظام تحت ذريعة "الواقعية السياسية"، ثم تحول لاحقاً إلى مساهمة فعلية في إدارة الدولة ضمن معادلات لم يكن فيها للطبقات الشعبية أي مكسب حقيقي.
إن النقد الذي يوجه إليه اليوم ليس موقفاً عدائياً، بل هو امتداد للصراع الداخلي الذي كان قائماً بين التيارات الثورية والتيارات الإصلاحية داخل التنظيم منذ بداياته. لقد كان الاتحاد الاشتراكي، شأنه شأن العديد من الأحزاب الاشتراكية في العالم، ساحة صراع بين توجهين: أحدهما يسعى إلى القطع مع البنية المخزنية في أفق بناء ديمقراطية شعبية، وآخر ينزع نحو الإصلاح ضمن الهياكل القائمة دون المساس بجوهر السلطة. وعندما حسمت القيادة خيارها لصالح الاندماج في المؤسسات القائمة، كان ذلك إعلاناً ضمنياً عن نهاية دور الحزب كقوة تغيير، وليس مجرد انعطاف تكتيكي.
إن ما يثير الغضب اليوم ليس فقط هذا التحول، بل الإصرار على تقديمه باعتباره استمراراً لنفس الفكرة التي حملها الحزب في الماضي. إن "استمرارية الفكرة" لا تعني فقط البقاء التنظيمي، بل تعني الوفاء لموقع الحزب في الصراع الطبقي، وممارسته السياسية في انسجام مع مبادئه التأسيسية. أما حين يتحول الحزب إلى جزء من آليات الضبط السياسي وإعادة إنتاج النظام، فإن التمسك بالشعارات التاريخية لا يكون سوى محاولة لتبرير القطيعة الفعلية مع المشروع الاشتراكي الذي انبثق منه.
في هذا السياق، فإن القوى اليسارية الجذرية التي تنتقد الاتحاد الاشتراكي اليوم تفعل ذلك من موقع الحرص على أن لا يظل الإرث النضالي للحزب مجرد ذكرى، بل أن يتحول إلى تجربة يستفاد منها لإعادة بناء بديل سياسي حقيقي. فبدل أن ينغلق الحزب في خطاب الضحية ويتحدث عن "المؤامرات" التي تستهدفه، كان الأجدر بقيادته أن تطرح السؤال الجوهري: كيف انتقل الحزب من موقع المواجهة إلى موقع التكيف؟ ولماذا فقد مصداقيته لدى الجماهير التي كانت ترى فيه سابقاً تعبيراً عن طموحاتها في التحرر والعدالة الاجتماعية؟
إن هذا النقد لا ينبغي أن يفهم كتصفية حسابات، بل كضرورة لإعادة الاعتبار إلى التجربة النضالية التي مثلها الاتحاد الاشتراكي في فترات معينة من تاريخه. فالقضية ليست مجرد تقييم لماضي الحزب، بل هي مرتبطة بواقع اليسار المغربي ككل، وبإمكانية إعادة بناء تنظيمات قادرة على استعادة خط النضال الطبقي الجذري. لذلك، فإن كل محاولة للالتفاف على هذا النقاش الحقيقي، أو تصنيفه ضمن خانة "الهجومات المغرضة"، لن يكون سوى استمرار في إنتاج الوهم، وعرقلة لإمكانية استعادة دور حقيقي لليسار في الصراع السياسي والاجتماعي الجاري.
ب.ع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق