فاضمة وحرفو، جميلة الشهداء… وجع أسرة وجراح تتجدد
فاضمة وحرفو، جميلة الشهداء… وجع أسرة وجراح تتجدد
فاضمة وحرفو، جميلة الشهداء التي اختطفت من منزلها في مارس 1973، وتعرضت للتعذيب بمركز بوزمو، ليتم نقلها إلى كلميمة ثم… درب مولاي الشريف، السجن السيء الذكر، الدار البيضاء، والمعتقل السري أكدز
لم تستسلم فاضمة للتعذيب ولم ترضخ، لتختار الشهادة والسير على درب الشهداء… ولتستشهد في 20 دجنبر1976.
العبور عبر إميلشيل يُذكر بأسطورة إيسلي وتيسليت. يذكر بموسم الزواج وتاريخ قبائل الأطلس وغيرها… إلا أن التاريخ هنا لا يذكر من عُذبوا فوق هاته الأرض. لا يذكر بسهولة أسراً اكتوت بنار الفراق زمن الجمر والرصاص.
الحديث هنا عن الشهيدة فاضمة وحرفو، سليلة أسرة وحرفو المناضلة. وُلدت فاضمة وحرفو سنة 1934، بقصر السونتات بقبيلة آيت يعزة التابعة لجماعة بوزمو بإملشيل، إقليم ميدلت.
مولاي بوعزة: شرارة الأطلس
التعذيب والشهادة أجواء ليست غريبة على أسرة الشهيدة. فهي ابنة المقاوم موحى وحرفو، الذي صدر في حقه حكم بالإعدام من طرف السلطات المغربية في 27 غشت 1974 بالمحكمة العسكرية على خلفية أحداث مولاي بوعزة في شهر مارس 1973.
كانت أحداث مولاي بوعزة طوفانا يكسر صمت المنطقة، لتصبح بؤرة للتعذيب والاعتقالات التي طالت كل أبناء المنطقة وباقي المناطق المجاورة، حيث تعرض عدد كبير من أبناء المنطقة للتعذيب، وتدخلت السلطات والشرطة وأجهزة المخابرات وغيرها لتوقيف وتعذيب كل المقربين وأسر المناضلين ومن لهم صلة من قريب أو بعيد بأحداث مولاي بوعزة. تعرضت المنطقة، حينها، لعقاب جماعي كان من أهم عناوين حركية الإنصاف والمصالحة، التي طالبت بجبر ضرر كامل المنطقة.
لا الأطفال ولا العجزة سلموا من بطش النظام آنذاك. لم تسلم الدواوير والمداشر من تحليق الطائرات وتحريات رجال المخزن بكل تلاوينه؛ وأسرة موحى وحرفو كان لها نصيب: فاضمة وأمها وأخوها… إلا أن النصيب الأكبر كان لفاضمة.
تعرضت فاضمة للاختطاف من منزلها في مارس 1973، وتعرضت للتعذيب بمركز بوزمو، ليتم نقلها إلى كلميمة ثم… الدار البيضاء.
مرت فاضمة من درب مولاي الشريف، السجن السيء الذكر، والمعتقل السري أكدز، الذي نكل بأبناء الوطن الجريح حينها. لم تستسلم فاضمة للتعذيب ولم ترضخ، لتختار الشهادة والسير على درب الشهداء… ولتستشهد في 20 دجنبر1976.
عنف وتمييز ووصمة عار
التعذيب الذي تعرضت له فاضمة نجد له تفسيرا في دراسة للباحثة نادية جسوس (النساء والعنف السياسي في المغرب ص14)، حيث قالت: تعاني النساء خلال أزمنة الحرب والقمع السياسي من آثار العنف بشكل فريد وبطرق متعددة، وكثيرا ما يتم استهدافهن كوسيلة لمعاقبة أقاربهن من الذكور، وترويع المجتمعات المحلية؛ وبالتالي قد يتعرضن، شأنهن في ذلك شأن الرجال، للعنف والتعذيب والاعتقال غير القانوني والترحيل والعمل القسري.
حسب الباحثة، فإن تداعيات العنف على حياة النساء غالبا ما تكون أكثر سوءا بسبب التمييز الذي يمارسه المجتمع بين الجنسين، والأدوار التي يوكلها لكل منهما، وبسبب كون النساء يعانين أكثر من الرجال من الأمية والفقر والتهميش.
تضيف جسوس أن النساء، كذلك، هن أكثر عرضة في فترات النزاع والقمع السياسي للعنف الجنسي، وما قد ينتج عنه من حمل غير مرغوب فيه، الشيء الذي يؤدي إلى وصمهن بالعار داخل أسرهن ومجتمعاتهن المحلية. كما أن النساء هن من يتحملن، في معظم الحالات، عبء العناية بالأطفال والمسنين خلال أوقات النزاع، خصوصا بعد اعتقال أو وفاة المعيلين الذكور.
شهيدة ردهات أكدز
أحمد بيضي، فاعل حقوقي بمدينة خنيفرة، يقول في حديث لمرايانا إن الشهيدة فاضمة وحرفو هي نموذج لكل ضحايا الآلة القمعية ممن ابتلعتهم طواحين سنوات الجمر والجلد في الأقبيات السرية، دون احترام لجنسها الأنثوي، وكذا نموذج لمن جرى اختطافهم، دون منحهم أدنى فرصة لتوديع الأهل، إلى حيث خلعوا منها روحها خلف الأسوار والدهاليز المظلمة، مخلفة وراءها كل التساؤلات الممكنة حول تفاصيل ما لقيته على يد الجلاد من أوجاع وعذابات.
لم تترك فاضمة سوى اسمها وسط القبيلة. اسم ما يزال عبارة عن ملخص لقصة امرأة مرت من هنا، ورحلت هناك خلال فترة كالحة. ما تزال قصتها تشبه صفحة مبتورة من سجل أسرار سنوات الرصاص، إلى جانب بياضات فضلت أسرتها عدم الخوض فيها عميقا… ولعل العثور على صورة للشهيدة، خلال شتنبر 2019، قد عاد بالجرح مجددا إلى ضوء المنقبين في حياتها.
أحمد بيضي قال إن فاضمة وحرفو كانت قد اعتقلت في مارس 1973، رفقة أمها وأخيها، وتمت متابعتها بناء على ما أكده، أو زعمه، أحد الموضوعين على رأس قائمة المبحوث عنهم في أحداث 1973، وهو سعيد أوخويا الذي أدلى للسلطات، عقب اعتقاله، بأن المعنية بالأمر كانت تقوم بتموينه ودعمه بالأكل والشرب، هو ومن معه من المختبئين بالجبال المحيطة بالمنطقة. هناك من يؤكد بأن الرجل عمد إلى توريطها على خلفية التشكيك في أنها هي التي كشفت عن مكانه للقوات العمومية، وهو ما وصفه عدد من المقربين منها وممن يعرفون حكايتها… بالافتراء. فقط لا غير.
حسب بيضي، ارتباط اسم فاضمة وحرفو بوالدها موحى ليس أمرا هامشيا، ولا استثنائيا، لكونه يشبه العديد من النساء المناضلات بالمغرب والعالم ممن رضعن صلابتهن من أمهاتهن وآبائهن المناضلين. كان من الطبيعي أن تنمو ابنة موحى على إيقاع تحركاته واتصالاته بمنطقة معروفة بتمردها آنذاك، لتتشبع الابنة بخطواته وأنفاسه، ويكون الاسم العائلي قد ساهم في جر الويل عليها.
شهيدة لم تُنصف
الأكيد أن هذه الشهيدة لم يتم إنصافها بالشكل المناسب، اللهم بعض المبادرات التي يقوم بها المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو القوافل التي تنظمها بعض الجمعيات المحلية، في إطار لا يخرج عن قاعدة خدمة الحقيقة وحفظ الذاكرة وبناء المصالحة الحقيقية وعدم تكرار ما جرى، وجبر الضرر الفردي والجماعي بالنسبة للمتضررين من الممارسات الجهنمية التي شهدتها سنوات الرعب خلال موجة القمع السياسي الشرس الذي عم المغرب من شماله إلى جنوبه وأطلسه.
بيضي قال إن هناك تعاملا خاصاً مع قضية الشهيدة، سواء عقب اختطافها حين جرى الترويج للكثير من الإشاعات حولها بهدف تشويه سمعتها كامرأة، وسمعة أسرتها المناضلة وقيمة قبيلتها الثائرة، أو ما تم إطلاقه فور استشهادها بالقول إنها شوهدت بشوارع الرباط وهي مجنونة تائهة ومشردة، ما حمل أفرادا من أسرتها حينها للانتقال إلى هذه المدينة للبحث عن المعنية بالأمر.
لم يكن أحد يعلم بمصير فاضمة إلا بعد إنشاء هيئة التحكيم المستقلة، في منتصف غشت 1999، حيث اتضح أن فاضمة وحرفو قد دفنت بمقبرة أكدز بعد استشهادها بزنازين المعتقل في 20 دجنبر1976، وهو ما تضمنه التقرير الختامي لهيئة الانصاف والمصالحة، الذي أشار إلى أن أزيد من 30 شخصا قد لقوا حتفهم بهذا المعتقل الرهيب، خلال السنة المذكورة وما بعدها بأشهر قليلة وفق بيضي.
منسية في مغرب منسي
من جهته، يشير الباحث لحسن آيت الفقيه خلال حديثه لمرايانا إلى أن توقيف فاضمة قائم على اتهامها أنها فتحت بيتها للشهيد سعيد وخويا، ليأخذ قسطا من الراحة والدفء بمحيط “كانونها”، ولم يجر توقيف زوجها لأنه رب الأسرة، التي استضافت الشهيد المذكور، ولو بصفته شريكا في الاستضافة.
حسب آيت الفيقه، إن كان فتح الباب للضيف جريمة، فلم لم تتم مؤاخذة زوج فاطمة وحرفو، المسمى زايد اوبا؟
…إذن، فإن توقيفها كان لغاية أخرى ولا صلة له بالحدث. ولإخفاء الوجه الآخر لمغرب سبعينيات القرن الماضي، سيقت إلى المعتقل السري أكدز، لكيلا تفضح الغاية من احتجازها وتوقيفها.
فاضمة لم يتم إنصافها حسب آيت لحسن، الذي يعتبر أن ملفها يلفه الكثير من الغموض، مضيفا أن إطلاق اسمها على مجموعة مدارس آيت علي ويكو، لم يحصل، رغم الالتزام به، ورغم مراسلة وزارة التربية الوطنية في الموضوع.
لم يحصل التعاطي مع ملفها على غرار باقي ملفات المختفين بإملشيل لأنه ليس هناك من يتابع قضيتها وقضية المختفين الآخرين… شأنها شأن باقي المختفين بمنطقة املشيل، ومردُّ ذلك الى تهميش المنطقة.
مارس 1973، عاش الأطلس على وقع أحداث مولاي بوعزة. وصل صدى الأحداث إلى المغرب الشرقي ومنطقة إملشيل. هاته المناطق تعرض أهلها لأشد أنواع التعذيب في المخافر وغيرها، وكان ضمن هاته الفئة، والد الشهيدة فاضمة وحرفو والذي صدر في حقه حكم بالإعدام من لدن المحكمة العسكرية بالقنيطرة في 27 غشت 1974.
محنة أسرة:
عن تجربة أسرة الشهيدة فاضمة مع الحيف والعذاب والاعتقال، يقول الحسين وحرفو، ابن أخ الشهيدة فاضمة، أن كل أفراد الأسرة ذاقوا الويلات، فحتى جدته لم تسلم من أذى وبطش السلطات حينها، وذلك بسب جدهم موحى وحرفو.
يتذكر الحسين ما حكاه له والده بمرارة، ويقول في حديث خصَّ به مرايانا، إن جده، موحى وحرفو، كان حينها بقرية اقَّانْوانينْ القريبة من إملشيل، إلى جانب بعض معارفه، ومن المرجح أنه كان معهم آخرون، يعتنقون الفكر اليساري ويؤمنون بالثورة، غير أن الجد ومن معه… كانوا أناس بسطاء غير متعلمين.
يحكي الحسين، حسب ما رواه والده، أنه ذات يوم كانت مجموعة ضمنها جدهم موحى، حاولوا القيام بتمرد ضد قيادة المنطقة (اقَّانْوانينْ)، حيث كانوا يشكلون قاعدة إلى جانب بعض القواعد بالمغرب الشرقي. عندما علمت السلطات بنيتهم، سارعت لإيقافهم مما دفعهم للفرار إلى الجبال المحاذية.
حسب الحسين، “كان جدي حينها مختبئا في الجبل، يحمل له والدي الطعام بعد منتصف الليل، ويعود متسللا. كثيرا ما كان يتعرض للضرب من طرف السلطات، وطيلة المدة التي كان فيها جدي مختبئا، كانت العائلة تتعرض للويلات. تم استدعاء كل أفراد الأسرة حيث تم تعنيفهم واستنطاقهم؛ تم استدعاء والدي وعمي، كان صغيراً حينها، ولم تسلم من الاستنطاق جدتي”.
اقتيد الأب والعم لمكان مجهول، وتم إيداعهم في سجن، يضيف الحسين، كان الغرض هو محاولة معرفة مكان أبيهم، وحسب والد الحسين، يرجح أنهم أخذوهم لسجن بكلميمة دون أن يعرفوا أي وجهة يسلكون وإلى أين.
يسترسل المتحدث بالقول: “كان أبي يبلغ من العمر حينها 18 سنة، بينما عمي يبلغ 10 سنوات. وضعوهم في سجن مع البالغين. في السجن، تعرض الوالد للتعذيب بواسطة الصعق بالكهرباء، وعند عودته، أخبر أخاه الصغير أنه قام ببعض الأشغال الشاقة. قضوا في السجن 18 يوما، ليتم إخلاء سبيلهم بعد عذاب شديد”.
يعود الحسين بذاكرته لحديث والده الذي أخبره أنهم عادوا إلى القرية خفية، مخافة أن تلتقطهم أيادي المخزن ويعودوا مرة أخرى للسجن. في ذات الليلة، اجتمع الوالد والعم والجدة بمناسبة خروج الأبناء من السجن عند موعد الغذاء، ثم… سمع الإخوة صراخا…
لقد علم المخزن أن سعيد وخويا، الذي كانَ فارا، عاد للقرية، وقدمت مروحية الدرك الملكي للبحث عنه مصحوبة بالمقدمين وعناصر القوات المساعدة. سيتم بعدها استدعاء الوالد والعم مرة أخرى… وزادت حدة التعذيب. وضعوا العم في “خنشة” (كيس) وانهالوا عليه بالضرب.
الحديث عن محنة الأسرة حديث طويل يجمله الحسين في عذاب ذاقه الجميع، ولا زال أثره النفسي باديا على الأسرة. يقول الحسين إنه، بعد أيام قليلة، علمت إحدى نساء القرية المقربات من المخزن بمكان الجد، حيث كان في مدخل غار داخل الجبل. كانت حينها في الجبل، ربما لأخذ الحطب، فلمحته هناك لتعود وتخبر السلطات بمكان تواجده، فقدموا إليه وأخذوه. في السجن، دخل الوالد عند جدي ليقول له كلمتين: “كونوا رجال” … وكأنها كانت وصيته الأخيرة.
فاضمة… عروس شهداء وحرفو
بالعودة للتقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة (الكتاب الأول الحقيقة والإنصاف والمصالحة، ص 66) نجد فيه تأكيدا للكثير مما جاء في هذه الشهادات، إذ يورد:
“اختطفت فاضمة وحرفو في شهر مارس 1973 من منزل الأسرة بالسونتات رفقة أمها وأخيها من طرف الدرك والجيش والقوات المساعدة. احتجزتهم السلطات في عين المكان، تم نقلهم بعد ذلك إلى سجن “بوزمو” قرب إملشيل، حيث قضوا 8 أيام. بعد ذلك، تم إطلاق سراح الأم والأخ، تم نقلها (فاضمة) بعد ذلك إلى الكوربيس، ثم درب مولاي الشريف، وتم نقلها بعدها إلى مركز أكدز، حيث مكثت تحت مسؤولية القوات المساعدة. توفيت بتاريخ 20 دجنبر 1976 ودفنت بمقبرة أكدز”.
حسب الحسين، في الغد، جاء الدور على فاضمة. اعتقلوها بسبب دعمها للثوار، فأخذها المخزن من باب المنزل للتحقيق معها. بعد مرور عام، وخلال صبيحة عيد الفطر، أخبرني الوالد أنه ذهب للرعي، وعند عودته، وجد العزاء في البيت. كان ذلك اليوم هو يوم إعدام الجد رميا بالرصاص.
عن المرحلة الأخيرة، يورد الحسين: “خلال هاته الفترة، انقطعت أخبار فاضمة. بعدها، ستروج أخبار أنها متشردة في شوارع العاصمة الرباط؛ غير أن هذا لم يكن صحيحا طبعا، لنعلم بعدها أنها توفيت في سجن أكدز بتاريخ 20 دجنبر 1976. وكان سبب وفاتها في ظرف وجيز، الإفراط التعذيب الذي لاقته فاضمة، لترتقي شهيدة بمعتقل أكدز”.
يخلص الحسين في النهاية بالقول: “لا أعتقد أن تعويضا سيلملم جراح الجدة المكلومة والأخ الذي ذاق ويلات التعذيب في سن صغيرة. لن تستطيع الأموال تعويضي عن ضرر والدي وجدتي، عن جدي وعمتي وكل من ذاق ويلات التعذيب”.
ربما… ستظل تجربة الإنصاف والمصالحة، عنوانا ضمن عناوين كثيرة لمغرب سنوات الجمر والرصاص، لكن…
ستظل حكاية فاضمة وحرفو الجميلة، بعضا من بشاعة ماض يستعصي فيه الجرح عن التجميل.
فاضمة الجميلة… ستظل عنوان منطقة بكاملها، تم التنكيل بأهلها، لا لشيء سوى لأن… بعض أهلها، كانوا يحلمون بمغرب مختلف!
عن marayanaمرايانا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق