فاتح ماي: بين رمزية النضال وخيانة الحناجر المُستأجَرة
فاتح ماي: بين رمزية النضال وخيانة الحناجر المُستأجَرة
يأتي فاتح ماي من كل عام، لا كعيدٍ يُحتفى به، بل كجرحٍ مفتوح، يستعيد وجع الطبقة العاملة ويكشف هشاشة الشعارات التي تُرفَع وتُنسى بمجرد انفضاض الجموع. ليس يوماً للفرح، بل لحظة للمساءلة والوقوف عند مفترق الطرق: أين نحن من الوعي العمالي؟ وأين ضاعت بوصلة النضال؟
لقد خُلق فاتح ماي من رحم التضحيات، من أجل الثمانية ساعات عمل، من أجل الحق في التنظيم، في العيش الكريم، في الكرامة قبل الخبز. لكنه اليوم يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى طقسٍ موسمي، تُفرغ فيه الساحات من معناها، وتتحول المنصات إلى مسارح لخطابات مستهلكة، ترددها نقابات فقدت شرعيتها النضالية، وتماهت مع السلطة أو استبدلت الكفاح بالمساومات.
النقابات التي خُلقت للدفاع عن العامل أصبحت، في كثير من الحالات، عبئاً عليه. نقابات تصافح نفس اليد التي تُهين العامل، تفاوض من دون تفويض، تساوم على كرامة من يفترض أنها تمثّلهم، وتتحرك حين تتحرك الأوامر لا حين يشتد الألم.
وفي الوقت الذي تزداد فيه أوضاع الشغيلة هشاشة، من تفاقم البطالة، إلى هزالة الأجور، وتردي ظروف العمل، تُمارس بعض النقابات سياسة دفن الرأس في الرمال، بل وتُستعمل لتأبيد السياسات نفسها التي خرجت لمواجهتها. أين هي النقابات من خوصصة الخدمات العمومية؟ من الإجهاز على التقاعد؟ من التضييق على الحريات النقابية نفسها؟
فاتح ماي لم يعد يصرخ كما كان، لأن منابره امتلأت بالخطابات الخشبية، لا بالغضب الحقيقي. وما لم تُسترجع النقابات دورها كقوة تعبئة مستقلة عن السلطة، كصوت حقيقي للطبقات الكادحة، فإن هذا اليوم سيفقد جوهره، ويتحول إلى ذكرى ميتة، بلا ذاكرة، بلا مشروع.
هو وقت المحاسبة، لا التهليل. وقت العودة إلى الجذور: إلى الشارع، إلى المعمل، إلى الحقل، حيث يولد النضال الحقيقي، لا من داخل الصالونات المكيفة أو التوازنات السياسوية.
عن موقع padscontinuity






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق