جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الحزب الشيوعي السوداني ورقة سياسية حول الراهن السياسي في السودان؛

 الحزب الشيوعي السوداني

ورقة سياسية
حول الراهن السياسي في السودان؛
رغم نجاح القوى المعادية لثورة ديسمبر في محاصرة الحراك الجماهيري ومحاولة كبح مدّه الصاعد، إلا أنها لم تتمكن من إخماد جذوة الثورة المتقدة في وجدان شعبنا. فقد رسّخت الثورة أهدافها في الوعي الجمعي للسودانيين، باعتبار أن مشروع التحرر الوطني الجذري هو الطريق الوحيد للخروج من نفق التخلف والفقر والتبعية، الذي ظلت البلاد رهينة له منذ نيل استقلالها في عام 1956.
إن انقلاب 25 أكتوبر 2021، وكذلك الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، لم يحققا أهداف أطرافهما، سواء المحليين أو الدوليين، رغم الدعم الكبير الذي قدّمه حلفاء الطرفين. ويعود الفضل في ذلك إلى صمود الشعب السوداني ووعيه، ورفضه القاطع لإضفاء أي شرعية على الانقلابيين أو على أدواتهم ومخرجاتهم السياسية والعسكرية. وقد أبلى شعب السودان بلاءً أسطورياً في الصبر على ويلات الحرب، والتصدي لممارسات طرفي الصراع، التي بلغت في وحشيتها حدود الإبادة الجماعية، وارتقت إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
لقد استُهدِف المدنيون في قراهم ومدنهم ومناطق نزوحهم بالقصف، وتعرّضت المراكز الصحية والتعليمية والبنى التحتية من كهرباء ومياه وإنترنت للتدمير الممنهج. رغم ذلك، حافظ الشعب على تمسكه بمطالبه، وواصل نضاله في وجه نظامين يتقاسمان العنف والنهب والإرهاب.
مارس طرفا الحرب الطرد القسري للسكان من مناطقهم، ونهبوا ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح، وعملوا على السيطرة القسرية على الأراضي، مما أدى إلى انقطاع سبل العيش، وانهيار قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والمالية. تفاقمت المجاعة، وارتفعت معدلات وفيات الأمهات والأطفال، في ظل غياب تام للرعاية الصحية، وانعدام أدنى مقومات الحياة.
سعى الطرفان لتغذية خطاب الكراهية والفتنة الإثنية والجهوية، عبر منصات إعلامية ضخمة ممولة إقليمياً، وروّجوا لما سُمي بـ"قانون الوجوه الغريبة"، في محاولة لتفتيت النسيج الاجتماعي وضرب وحدة الشعب. كما عمدا إلى بث الرعب بنشر مشاهد موثقة لأبشع الجرائم، في إطار سعي متعمد لخلق واقع من الفوضى، يُمهّد لتسوية سياسية تفرض أمراً واقعاً بقوة السلاح، وتعيد إنتاج سلطة معادية لمطالب الجماهير.
لقد أثبتت تجربة العامين الماضيين بما لا يدع مجالًا للشك أن طرفي الحرب وجهان لعملة واحدة، وأن ما بينهما من صراع لا يلغي اشتراكهما في المشروع المضاد للثورة. فهما من نفّذا انقلاب 11 أبريل 2019، وقاما لاحقاً بمجزرتي القيادة العامة والثامن من رمضان، لإجهاض آمال الشعب في تفكيك دولة الإنقاذ العميقة ومحاسبة رموزها.
منذ سقوط البشير، ظلّت قوى إقليمية ودولية، تقودها الولايات المتحدة، تعمل على تمرير مشروع “الهبوط الناعم”، وترسيخ شراكة بين العسكر وبعض القوى المدنية لتجنيب مصالحها خطر التغيير الجذري. واليوم، تستمر هذه القوى في تقديم مبادرات وساطة بلا آليات تنفيذية، ولا تلزم أطراف الحرب بوقف إطلاق النار أو السماح بدخول المساعدات. وتكتفي هذه المبادرات بالتعبير عن القلق، بينما تتفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، لتغدو الأسوأ في العصر الحديث، وفقاً لشهادات المنظمات الدولية نفسها.
لقد أسهم هذا الموقف الدولي المتواطئ في إطالة أمد الحرب، وتوسيع رقعتها الجغرافية والاجتماعية، بما يخدم أطراف التسوية القادمة، التي تأمل في فرض واقع جديد عبر الحسم العسكري أو التسوية المزيّفة.
في المقابل، ما زال الشعب يرفض الاعتراف بأي من حكومات الأمر الواقع، سواء تلك التي تحتمي ببورتسودان أو تلك التي تتمدد بالسلاح. ويدرك الشعب أن غياب الإرادة الوطنية الحقيقية يجعل أي سلطة تفتقد الشرعية. فقبول أحد طرفي الحرب كأمر واقع هو هزيمة وخيانة لدماء الشهداء وتضحيات الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع يهتفون بالحرية والعدالة.
- تبدّل في الموقف الأمريكي:
بدأت الولايات المتحدة تُظهر مؤشرات على تغيّر في مقاربتها تجاه الحرب في السودان، مدفوعة بعدة عوامل:
_ صمود الشعب السوداني ورفضه لأي تسوية تُكرّس الوضع الراهن.
_ إنهاك طرفي الحرب عسكريًا واقتصاديًا، رغم ما حصلا عليه من دعم.
_ القلق من تحول الحرب إلى صراع إقليمي، يهدد استقرار المنطقة.
_ تزايد حجم الكارثة الإنسانية، بما قد يخلّف آثاراً طويلة المدى على الأمن الدولي.
_ إدراك أن المصالح الأمريكية نفسها باتت مهددة، خاصة في ما يتعلق بالممرات المائية وموارد البحر الأحمر.
نتيجة لذلك، أعادت الولايات المتحدة إحياء مسارات التفاوض (اتفاق جدة والمنامة)، ولوّحت بفرض عقوبات، وبدأت في دعم مساعٍ لتشكيل حكومة مدنية مؤقتة، تدير عمليات الإغاثة، وتستعد لمرحلة إعادة الإعمار، وتنظم انتخابات بإشراف الدولة العميقة.
لكن هذه الحكومة المرتقبة ليست سوى واجهة مدنية لسلطة عسكرية – نيوليبرالية، تسعى لإعادة إنتاج النظام القديم وتحصين مصالح رأس المال العالمي في السودان، وقطع الطريق أمام أي مشروع وطني تحرري.
- موقف الحزب الشيوعي السوداني:
إننا في الحزب نرى بوضوح أن ما يجري الآن هو مقدمة لتسوية سياسية هدفها وأد الثورة، وتثبيت النظام الرأسمالي الطفيلي التابع، وتجريم نضال الشعب السوداني. ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا المشروع. نعمل على بناء جبهة جماهيرية واسعة، قاعدتها الشعب، وأداتها التنظيم والمواجهة، وهدفها تحقيق شعارات الثورة: حرية، سلام، وعدالة.
لقد بات من الضروري توحيد القوى الحية المخلصة للثورة، على أساس برنامج نضالي واضح، لا يُساوم ولا يهادن. فالنضال من أجل وطن حر ديمقراطي لا يمكن أن يتم من خلال تسوية مع أعداء الشعب، بل بانتزاع الحقوق انتزاعًا، وبإعادة بناء الدولة من أسسها، على قاعدة العدالة الاجتماعية والمساواة.
إن قوى "الهبوط الناعم" لم تسقط بعد، ولا تزال تسعى للعودة عبر بوابة الحرب والتسوية. وهي تنشط في إعادة إنتاج خطابها القديم، عبر ما تسميه "الوحدة"، بينما تعني بها التنازل عن الأهداف الجذرية للثورة لصالح قوى السوق والعسكر. لذلك فإن الواجب التاريخي يقتضي كشف هذه القوى، وتمييزها عن القواعد التي لا تزال تؤمن بالثورة.
ندعو إلى الالتصاق بالجماهير، ومخاطبة مخاوفها، وبناء أدواتها القاعدية في الأحياء والقرى والمواقع، بعيداً عن الصراعات النخبوية، وتأكيد أن النصر لا يأتي إلا من الشارع، لا من غرف التفاوض.
إن شعب السودان قادر على تجاوز هذه المحنة، بوحدته وإرادته وتضحياته
المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني
8 أبريل 2025م.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *