الحرب التجارية الامريكية تهديد خطير للامن والسلم العالمي*المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري
الحرب التجارية الامريكية
تهديد خطير للامن والسلم العالمي
يمكن القول بأن المخطط الأمريكي (الترامبي) ليس فقط تجاه الشرق الأوسط،وإنما في مواجهة العالم كله لا يرتكز فقط على بعد واحد، بل انه متعدد الأبعاد. بتعدد أوجه الأزمة البنيوية التي تعانيها الولايات المتحدة الامريكية. فهو لا يهدف، فقط، الى تقديم الدعم المطلق للكيان الغاصب وصولا الى تحقيق حلم "اسرائيل الكبرى"، بما يتوافق مع رؤية المحافظين الجدد والصهيونية المسيحية، في الولايات المتحدة الأمريكية. انما يهدف بالاساس الى محاولة انقاذ الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم والتي تحققت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع بدايات تسعينيات القرن الماضي. وهي تلك الهيمنة التي برزت، فيها الولايات المتحدة الامريكية، بجلاء، بوصفها "شرطي العالم"، حيث تمثل ذلك عيانيا في الحرب على كل من العراق وأفغانستان وجرينادا وبنما.. الح.
ولقد تضررت هذه الهيمنة، بشدة، بعد أن أصبحت أمريكا دولة مستهلكة ومستوردة، بعد أن كانت مصنع العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى بداية العشرية الثانية من الألفية الجديدة. فلقد هربت المصانع ورؤوس الأموال الى الصين، وباقي دول شرق آسيا والهند، وأصبح العدو الأكبر للهيمنة الأمريكية متمثلا في هذا الصعود الصاروخي للصين، على صعيد التطور التكنولوجي الهائل وتعاظم الأصول المالية والفوائض التجارية والنفوذ الاقتصادي على الصعيد العالمي على نحو غير مسبوق. وبخاصة مع مشروعها الاستراتيجي الكبير المسمى بمشروع الحزام والطريق، وهو مشروع تشاركي تجاري يمتد من الصين وآسيا شرقا، مرورا بأوربا وأفريقيا، وصولا الى أمريكا اللاتينية غربا. وهو المشروع الذي تم دعمه بتخليق منظمة اقتصادية جديدة تدعى "بريكس"، تضم الدول المنتمية في معظمها الى الجنوب (باستثناء روسيا). وتخطط هذه المنظمة الجديدة لإنشاء بنك دولي، خاص بها، بعيدا عن هيمنة البنك والصندوق الدوليين اللذين تهيمن عليهما الرأسمالية الغربية وزعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية. كما تعد بإصدار عملة دولية خاصة بها بديلا عن الدولار الأمريكي، ونظام بنكي جديد بديلا عن نظام سويفت الغربي.. الخ. وهي توجهات تنذر بانقلاب استراتيجي في ترتيب مراكز الثقل الاقتصادي والصناعي، وما يتبعهما من جوانب سياسية وعسكرية، على الصعيد العالمي.
وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها مهددة على المستويين الرمزي والواقعي، في آن معا، بل على كل الصعد (اقتصاديا وتكنولوجيا وسياسيا وعسكريا)، وذلك على نحو لم تعهده من قبل. وبخاصة مع تفاقم أزمتها الاقتصادية، نظرا للأسباب التي سبقت الاشارة اليها، حيث يزداد معدل التضخم ويزداد العجز في الميزان التجاري لصالح قوى صناعية ناشئة وعلى رأسها الصين، كما يزداد معدل هروب رؤوس الأموال والشركات الصناعية الى البلدان ذات العمالة الرخيصة والخدمات اللوجستية الأيسر. كما تزداد معدلات الديون الخارجية والداخلية (فالولايات المتحدة أكبر دولة مدينة في العالم)، ومن هنا فقد شعر صناع القرار في أمريكا بأن اقتصادها يتراجع، وأن امكانية ازاحتها من على قمة العالم على المستويين الاقتصادي والسياسي قد باتت قاب قوسين أو أدنى.
ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب الرعونة، والغوغائية، وازدياد نزعة العنف، والانقلاب على الحلفاء، وعلى قيم الديمقراطية، وعلى القانون الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة،وعلي منظمة التجارة العالمية على السواء. التي ميزت هذا العهد الترامبي. بما يكاد يصل به الى مستوى الفاشية. (لم يصل اليه بصورة كاملة بعد) فلقد أضحت أمريكا وكأنها دولة توشك على الغرق وتتذرع بكل السبل بحثا عن طوق النجاة،وأكثرها خطورة هذة الحرب التجارية التي تشنها علي معظم دول العالم بما فيها حلفاؤها الاساسيين في اوربا واليابان وكندا أيا ما كان مدى توافق تلك السبل مع الأعراف والبروتوكولات والقوانين الدولية.
ويتضح يوما بعد يوم أن الهدف الأساسي وراء هذه الحرب هو استهداف الصين وارهابها والدليل علي ذلك استثناء الصين فقط من مدالمهلة ومن تخفيض معدلات الرسوم الجمركية ومزاد التصعيد الجنوني على الصين الذي وصل الي معدلات خيالية،لكن هذا التحدي زاد الصين صلابة وثقة لأنها لا تعتدي علي احد ،انما هي وقفت بثبات الند للند ولم تهتز أمام الغطرسة الامريكية، و هذه الحرب التجارية واستطاعت إيقاف هذا العبث الترامبي ، بل واجبرته علي التراجع حزئيا وتخفيض الرسوم على بعض السلع ، في خطوةسيكون لها تأثير كبير فى مواجهة عدوانية وجشع هذه الطغمة اليمينية المتطرفة التي تلعب بالنار وتسيطر علي مراكز صنع القرار في الدولة التي تقود معسكر العولمة الراسمالية المتوحشة. خاصة ان الشرعية الوحيدة التي تتحرك بمقتضاها السلطة الأمريكية الان هي فقط شرعية "سلطة الولايات المتحدة"، كما صرح ترامب نصيا، بعيدا عن أية أعراف أو قوانين معترف بها دوليا. وهكذا بدت أمريكا دولة مارقة بنظر القانون الدولي والشرعية الدولية، بعد أن كانت (وياللمفارقة) هي التي تحاسب الجميع بمقتضى هذا القانون وتلك الشرعية، على التحديد. وبذلك أصبح العالم يواجهه ظروفا شبيهة بظروف ما قبل الحرب العالمية الثانية حيث اطل علينا شبح الكساد والركود، كما أن الحروب التجارية بين الدول الكبري تمهد الارض وتزرع بذور الكراهية، وتنمي مشاعر السخط والغضب ، وتزيد من حدةالروح الشوفينية وتصعد من التناقضات الاجتماعية والاقتصادية داخل الدول وبينهاوبين بعض مما يخلق في النهاية الظروف المواتية لنشوب الحروب الثنائية والاقليمية بل والعالمية.
وتسعي التحركات الأمريكية الي دعم حربها التجارية على النحو التالي :
١- محاولة الولايات المتحدة تعظيم الموارد الأمريكية عن طريق الاستحواز على الموارد الطبيعية المتاحة في أي بقعة على كوكب الأرض. ومن هنا نفهم تصريح ترامب برغبته في ضم كل من جرينلاند وكندا، وابتزاز بلدان الخليج النفطية، على نحو لا مثيل له .
٢- التهديد بالسيطرة على الممرات الملاحية والتجارية الدولية. ويأتي في هذا النطاق التهديد بالسيطرة على قناة بنما لانهاء الادارة الصينية لها وقطع الطريق على مشروع الحزام والطريق الذي تدخل تلك القناة في نطاقه.
٣- دعم انشاء ما يعرف بطريق البهارات، القادم من الهند عبر الخليج وصولا الى إسرائيل، لقطع الطريق على مشروع الحزام والطريق الصيني، ومحاولة استغلال التناقضات السياسية الكامنة بين الصين والهند، في احكام الحصار حول الصين.
كما نؤكد على أن اهداف الولايات من تصعيد دعمها السافر للكيان الصهيوني في حرب الابادة التي يشنها في غزة :
ا- زيادة التواجد العسكري في منطقة البحر المتوسط باعتباره قلب الحركة التجارية العالمية وأهم ممر تجاري لسلاسل توريد السلع، وأهمها النفط والغاز، في العالم و الاستئثار بالثروات الغازية الواعدة في بحر غزة والثروات الغازية في حوض البحر المتوسط.
ب- تهديد وإرهاب دول المنطقة المنضمة حديثا الى منظمة "بريكس". ولقد صدرت تهديدات صريحة من قبل ترامب بهذا الشأن.
ج- ويرتبط بكل ما سبق ضرورة التخلص بالتدمير أو بالتدجين أو التقسيم، ان أمكن من كل الدول الإقليمية المؤثرة، والتي يمكن أن تهدد تلك المخططات.
ويري الحزب الشيوعي المصري انه سوف يزداد رفض دول وشعوب العالم لهذه المخططات ،وتتصاعد مقاومتها لها حيث رفضت بالفعل العديد من دول العالم قرارات ترامب ،بل وتحالفت بعض الدول من حلفاء امريكا مع الصين ضد قرارات ترامب الاقتصادية الاخيرة وفرضت عليه رسوما بالمثل في سابقة هي الاولي من نوعها.
ويتضح اكثر فاكثر أن الصعود الصيني الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي خاصة "الذكاء الاصطناعي" والمشروعات والوعود المرتبطة به هو الذي يمثل التهديد الابرز والأكثر جوهرية لاستمرارية الهيمنة والبلطجة الامريكية علي العالم، كما انه يعطي الأمل للبشرية
بامكانية التصدي لهذة الممارسات وافشالها .
وبداية نشوء عصرجديد لعالم متعدد الاقطاب يكون المرجع فيه للقانون الدولي ولمبادئ الحوكمة التي تسري علي الجميع، وليس لقانون الغاب الامريكي وسياسات العولمة الرأسمالية المتوحشة.
القاهرة في ١٦-٤-٢٠٢٥
المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق