جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

القصف الامريكي للمفاعلات النووية الايرانية*ابو نزار شناعة

القصف الامريكي للمفاعلات النووية الايرانية
بعد إعلان الرئيس الامريكي ترامب من واشنطن أن قصف الطيران الامريكي للمنشئات النووية الايرانية "أنهى" قدرات إيران النووية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التوتر السياسي والعسكري. وبينما حاولت الإدارة الأميركية تقديم هذه الضربة كرسالة ردع للعودة إلى طاولة المفاوضات، قرأت طهران وإسرائيل هذه الخطوة بطرق متناقضة تمامًا، كلٌ وفق حساباته وأهدافه.
واشنطن، كما يبدو من تصريحات ترامب، لا تسعى إلى حرب شاملة، بل إلى اتفاق جديد يفرض شروطًا أكثر صرامة على إيران. الضربة جاءت تكتيكية ومحدودة، تُستخدم كورقة ضغط لتعديل ميزان التفاوض، لا كتمهيد لحرب. لكنها في الوقت نفسه جاءت في لحظة هشّة من تاريخ الصراع، حيث الحسابات الأميركية لم تعد تتطابق مع حسابات الحلفاء، ولا مع تقديرات الخصوم.
إسرائيل، على عكس الحذر الأميركي، قرأت الضربة على أنها الخطوة الأولى في مسار أطول، هدفه ليس فقط احتواء المشروع النووي الإيراني، بل ربما إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه بالكامل. مطالبة تل أبيب واشنطن بمواصلة القصف، وتكثيف الضغوط، تعني أنها لا ترى فائدة في العودة إلى التهدئة، ولا تثق بأي مخرج دبلوماسي مع طهران.
بالنسبة لإيران، فإن مشهد الضربة الأميركية متبوعًا بدعوة للتفاوض، ثم مطالبة إسرائيل بالمزيد من التصعيد، ليس إلا دليلاً على أن الهدف لم يعد الاتفاق، بل النظام نفسه. وهذا يجعل طهران ترى الموقف كتهديد وجودي، لا مجرد نزاع حول تخصيب اليورانيوم. الرد الإيراني، إن حصل، لن يكون في طاولة التفاوض، بل في الميدان، وبأدوات متعددة.
اللافت أن نفوذ إيران لم يعد يتخذ طابع القواعد أو الوجود العسكري المباشر، بل أصبح يعتمد على شبكات خفية، وتحالفات لامركزية تمتد عبر المنطقة، كالفصائل المسلحة في العراق، أو التنظيمات الحليفة في لبنان واليمن. هذا النمط الجديد من النفوذ يجعل الرد على إيران أكثر تعقيدًا، ويصعّب على خصومها توجيه ضربات حاسمة تُنهي التهديد.
في هذا السياق، تتعدد السيناريوهات الممكنة:
أولًا، قد نشهد مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، مثل سلطنة عمان أو قطر، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنها ستكون مفاوضات هشّة، محفوفة بالشكوك، لأن الثقة بين الطرفين شبه معدومة، ولأن إسرائيل تواصل الضغط ضد أي تسوية.
ثانيًا، هناك احتمال لـتصعيد محسوب من إيران عبر حلفائها، كحزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن أو الفصائل العراقية. هذه الجماعات قد تُكلّف بتنفيذ ضربات موجعة، لكن لا تصل إلى حد إشعال حرب شاملة. طهران تريد إيصال رسالة، دون دفع ثمن الحرب الكبرى.
ثالثًا، قد يتجه الوضع إلى تجميد مؤقت، تتوقف فيه الضربات المباشرة، لكن تُستكمل فيه الحرب الإعلامية والاستخباراتية، في انتظار استحقاقات لاحقة، مثل الانتخابات الأميركية أو تغير مواقف الدول الكبرى.
رابعًا، يبقى احتمال توسّع المواجهة إلى صدام مباشر قائمًا، وإن كان الأضعف حاليًا، نظرًا للكلفة العالية التي قد لا يتحملها أحد. لكنه احتمال لا يمكن تجاهله إذا تجاوزت إسرائيل أو أميركا حدود الضربات المحسوبة، أو إذا قامت إيران بضرب مصالح أميركية أو إسرائيلية بشكل مباشر وكبير.
في خضم هذا المشهد، تلعب إسرائيل دور المحرك والدافع نحو التصعيد، بينما تحاول واشنطن موازنة الضغط مع عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. أما إيران، فهي تُقاتل الآن للحفاظ على النظام، لا فقط على مشروعها النووي. وكل طرف بات يضع سقفًا أعلى للمواجهة، مما يقلل من فرص التهدئة ويزيد من احتمالات الانفجار.
إننا أمام صراع لم يعد تقليديًا، ولم يعد يحتمل الحلول الوسط السهلة. المنطقة تقف بين احتمالين: إما صفقة شاملة تفرض تنازلات قاسية على الجميع، أو صراع طويل النفس، متعدد الجبهات، تتخلله لحظات من الانفجار المؤقت، لكن نهاياته ما زالت ضبابية ومفتوحة على كل الاحتمالات.
22/حزيران/ 2025
ابو نزار شناعة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *