سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين: جريمة إنسانية بلا رادع
سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين: جريمة إنسانية بلا رادع
تُواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائم إنسانية بحق الفلسطينيين، ومن أكثر هذه الجرائم بشاعة تلك المتعلقة بسرقة أعضاء جثامين الشهداء، وهي ممارسة ممنهجة تعكس مدى استهتار الاحتلال بكل المواثيق الدولية والمعايير الأخلاقية. وقد عادت هذه الجريمة إلى الواجهة مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث أبلغت مصادر طبية وحقوقية في غزة عن تسلُّم جثامين شهداء منقوصة الأعضاء، تحديدًا القلب والكلى والقرنيّات، مع وجود آثار خياطة واضحة على مناطق الصدر والرأس والبطن، في ظل غياب أي تدخل طبي سابق يبرر هذه التعديلات الجراحية.
هذه الوقائع تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات الموثقة، أبرزها اعتراف الطبيب الإسرائيلي "يهودا هيس"، المدير السابق لمعهد الطب الشرعي في "أبو كبير"، في مقابلة نُشرت عام 2009 بصحيفة "هآرتس"، حيث أقرّ بأن المعهد قام بأخذ أعضاء من جثامين الفلسطينيين دون علم أو إذن ذويهم. كما نشرت صحيفة "أفتونبلادت" السويدية في العام ذاته تقريرًا مفصلًا عن هذه الانتهاكات، ما أثار حينها ردود فعل دولية واسعة، لكنها لم تصل إلى مستوى المساءلة أو المحاسبة.
ما يحدث ليس مجرد تجاوز طبي أو حالة فردية، بل جريمة دولية متكررة تُصنّف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما ينص عليه القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن ما تقوم به دولة الاحتلال من انتهاك صارخ لحرمة الموتى وكرامتهم، يُشكّل خرقًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تُلزم الأطراف المتحاربة باحترام جثث القتلى وتسليمها دون تشويه أو عبث.
رغم تكرار الأدلة وتعدد الشهادات، يقابل العالم هذه الجريمة بصمت مريب وتواطؤ غير مبرر، خاصة من قبل المؤسسات الدولية والأممية التي تكتفي ببيانات القلق، ما يشجع الاحتلال على الاستمرار في ارتكاب هذه الأفعال بعيدًا عن أي مساءلة أو ردع. لقد طالبت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية مرارًا بفتح تحقيق دولي مستقل، وتمكين لجان قانونية وحقوقية من الوصول إلى معهد "أبو كبير"، وفحص سجلات التشريح وتوثيق الحالات، غير أن الاستجابة الدولية لا تزال دون المستوى المطلوب.
إن سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين ليست مجرد انتهاك، بل تعبير عن نهج متكامل في إهانة الإنسان الفلسطيني، حيًا وميتًا، وهي جريمة تستوجب تحركًا فوريًا من المجتمع الدولي، ومن جميع الجهات المعنية بحقوق الإنسان. المطلوب ليس فقط وقف هذه الجريمة، بل محاسبة مرتكبيها وتعويض الضحايا وذويهم، بما يُعيد بعضًا من العدالة الغائبة، ويؤكد أن القانون الدولي لا يُدار بازدواجية، وأن كرامة الإنسان الفلسطيني لا تقل عن أي إنسان آخر في هذا العالم.
*بقلم: أمجد النجار – مدير عام نادي الأسير الفلسطيني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق