* متى العبور من ثقافة الشتيمة و الشماتة إلى ثقافة النقد الموضوعي العقلاني ...! عمران حاضري
* متى العبور من ثقافة الشتيمة و الشماتة إلى ثقافة النقد الموضوعي العقلاني ...! عمران حاضري
* عادة في مناخات الإستبداد لا ينظر إلى الاختلاف في الرأي على أنه ثراء و خصب، بل على أنه "انحراف و خيانة" ! حيث تلجأ السلطة إلى القمع و التلويح بالعصا كلما اعوزتها الحجة...! و في ظل هكذا مناخات و انقسام المجتمع تنتشر كذلك ثقافة الشماتة و الشتيمة التي أصبحت حالة تدميرية في عالم القيم ، تهدد المجتمع بفقدان الاحترام كقيمة أساسية من قيمه الجامعة و تعكس إلى حد كبير هشاشة التعليم و التربية و قيم المواطنة المتساوية كما تعكس اخلاق القطيع و سيكولوجية الاغتراب...!
*الشتيمة و التشفي عدوان بقصد الايذاء و تجسيد صارخ لانحطاط القيم الإنسانية المعيارية و شيوع لهشاشة الأخلاق المواطنية و فقر معرفي و نفي للعقل و الحرية و إعلان عجز و فقدان للثقة بالنفس، خاصةً لما يكون ضحيتها المختلف في الرأي و الأخطر عندما تكرس كسلوك واعي للتعاطي مع المختلف فكرياً أو سياسياً...!!! حيث تتبدى في ظل العجز و الضحالة الفكرية كاسلوب عدواني يعبر عن أحقاد دفينة تمنع أي فرصة للحوار العقلاني الموضوعي البناء، حيث يتحول الاختلاف إلى معركة انفعالية ، عصبية خاوية من الاصغاء إلى صوت العقل يستخدم فيها سلاح الكلام الهابط و التحقير و التحريض و التعريض و يرتفع منسوب الشتيمة و الكذب ليكتسح عدة فضاءات و مجالات التواصل الاجتماعي... خاصةً في ظل انقسام الشارع كما النخب على خلفية صراع ثنائية "مع" أو "ضد" التمشي الرسمي...!
حين تستفحلُ ثقافةُ القطيع، يتحوّلُ المجتمع من فضاءٍ للمواطنين إلى ساحة غريزية تُدار فيها الأحكامُ بالهتاف، ويُستقبل فيها سجْنُ المختلفِ في الرأي كما لو أنه انتصارٌ رمزيٌّ للجموع المذعنة، لا بوصفه نكسةً لحرية الجميع... وفي هكذا مناخات ، تتكاثرُ الممارساتُ التي تُحوّل الشتيمةَ وهتك الأعراض وتشويهَ الخصوم إلى أدوات سياسية شرسة، تُعفي الدولة من مسؤولية العدالة، وتُعفي الأفراد من مسؤولية التفكير ، لتتأسس علاقةٌ مريضة بين السلطة و جزء من الجمهور ، قوامها الطاعةُ المُلحقَة بالعدوان ...
هذه الظاهرة ليست انحرافًا أخلاقيًا معزولًا، بل هي نتيجة مباشرة لغياب المواطنة المتساوية ولحضورٍ كثيفٍ لبنيةٍ طبقية تنتج الهشاشةَ والولاءات والانقياد. فحين يُحرم الناس من شروط القوة الاجتماعية كالعمل اللائق و التعليم الديموقراطي النقدي و وضوح الحقوق و مشروعية الحريات المدنية،،، يستعيضون عنها بانفعالات الانتقام الجماعي، ويجدون في التشفي والتشهير تعويضًا وهميًا عن عجزٍ تاريخي لم تُعالجه السلطةُ بل استثمرته...
هنا يتصدّع المعنى الديمقراطي ذاته ، إذ يذبل العقلُ و يتخلف الوعي العمومي، ويغيب النقدُ الإبداعي الخلاق ليحل محله خطابٌ يجرّم السؤال ويُمجّد الانتهاكات ، كأن المجتمع يهرب من مواجهة أزماته البنيوية إلى مطاردة خصوم متخيّلين... وما لم يُستعاد الفضاءُ العام كحقلٍ للعقلانية الاجتماعية وأخلاق الحرية حيث يُدار الاختلاف الذي لا يرتقي إلى التناقض الرئيسي ، بوصفه معرفةً لا بوصفه خطيئة ، فإن القطيع سيواصل ابتلاع الإنسان كقيمة ، وسيظل صوتُ الناس التابعين أعلى من صوت الحق ، وصوتُ الشتيمة و التشفي أعلى من صوت الفكرة.
إن مقاومة هذا الانحطاط ليست ترفًا فكريًا، بل واجبًا وطنياً ديموقراطيا تحرريًا يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي بصفتها دفاعٌ عن الكرامة، وعن الحق في التفكير خارج منطق الطاعة و الوصاية، وعن المجتمع كحيّزٍ يمكن فيه للإنسان أن يختلف دون أن يُصلَب على مذبح العقاب و الشتيمة و التشفي ، اتساقا مع التمشي الغرامشي الذي لم يكن داعيا إلى القمع ، بل أكد على "أن السيطرة الثقافية ( الهيمنة الثقافية) ،اهم من السيطرة القسرية ، و أن النضال يجب أن يكون عبر الإقناع و التربية و الجدل المفتوح"... و"أن الثقافة الديمقراطية لا تبنى بالعنف ، بل بإقناع الأغلبية و توسيع أفق النقاش" ...
بالتالي ، المجتمع الذي يعاقب فيه المختلف قبل أن يستمع إليه ، و يشيطن المعارضة الحداثية التقدمية قبل أن يفهم مطالبها ، هو مجتمع متخلف عن انجاز الحد الأدنى لشروط الديمقراطية بوصفها مشروعا تحرريا ، يضع عموم الشعب الكادح ، لا الغريزة الجماعية و الأقلية المهيمنة، في مركز الفعل السياسي الناهض المنتصر للعقل و التاريخ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق