الهيمنة السردية للإعلام الإمبريالي! د. طنوس شلهوب
الهيمنة السردية للإعلام الإمبريالي!
د. طنوس شلهوب
في العصر الحديث، لا تقتصر وسائل الإعلام الكبرى على نقل الوقائع فحسب، بل تلعب دورًا مركزيًا في تشكيل السرد الذي يحيط بالأحداث بما يخدم أهداف القوى المهيمنة، ويعيد إنتاج تصورات عالمية عن “الصديق” و”العدو”، و”الثورة” و”الاضطراب”
.
في بلغاريا، اندلعت في نهاية العام المنصرم احتجاجات شعبية واسعة ضد السياسات الاقتصادية للحكومة، والتي شملت رفع الضرائب وإعادة هيكلة الإنفاق العام وتطبيق إصلاحات مالية صارمة. وقد جاءت هذه السياسات استجابة لشروط الاتحاد الأوروبي والمتطلبات الضرورية لانضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو، وأثارت سخط المواطنين بسبب الأثر المباشر على تكاليف المعيشة. بالكاد تناولت وسائل الإعلام الغربي هذه الاحتجاجات، وقدمتها على أنها ضمن "نظام ديمقراطي".
في إيران خرجت الاحتجاجات نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة الناجمة بشكل مباشر عن العقوبات الغربية المفروضة على البلاد منذ الثورة الاسلامية، وتجميد أصولها الخارجية، ناهيك عن دور الشرائح الاقتصادية الرأسمالية الداخلية، المرتبطة مصالحها بالغرب، والقوى الليبرالية المعادية للخط السيادي في النظام، مما ادى الى انهيار العملة الوطنية، وتضخم غير مسبوق، وارتفاع تكاليف المعيشة .
هذه الأزمة الاقتصادية، التي تعد الدافع الرئيسي للغضب الشعبي، تم تجاهلها في الإعلام الغربي، والخليجي والمحلي المرتزق باموال البترول، حيث ركّزت هذه التغطيات على إسقاط النظام ووصفت الاحتجاجات بأنها انتفاضة ضد حكم استبدادي، مع استخدام مفردات مثل “قمع وحشي” و”سقوط محتمل للنظام”، متجاهلة سياق العقوبات وتدخلات القوى الأجنبية.
ويزداد الأمر وضوحًا عند بروز الدور العلني لقادة غربيين وإسرائيليين في توجيه السرد الإعلامي والسياسي. فقد صرح الرئيس الأمريكي ترامب بأنه مستعد للتدخل في حال استخدمت السلطات الإيرانية القوة المميتة ضد المتظاهرين، وهو تصريح يعكس رغبة في استثمار الاحتجاجات كأداة لتصعيد الضغط السياسي والاقتصادي على طهران. وبالمثل، أعرب نتنياهو عن دعمه العلني للمحتجين الإيرانيين، وأكد مسؤولون مرتبطون بإسرائيل وجود دعم على الأرض للمحتجين، ما يؤكد وجود تدخل استخباراتي وسياسي مباشر من خلال الموساد والاستخبارات الغربية.
هذه التصريحات لم تُنقل كتعليقات عابرة، بل أُعيد استخدامها في الإعلام الغربي لتعزيز السرد الذي يخدم أجندة الهيمنة (Narrative Hegemony)،
ويحول احتجاجات المواطنين إلى أداة ضمن حملة الضغط على إيران.
المقارنة بين الحالة البلغارية والإيرانية توضح كيف تُمارس الهيمنة السردية : في أوروبا الغربية أو الدول الحليفة للغرب، تُقدّم الاحتجاجات ضمن إطار عقلاني"، حتى لو كانت السياسات الاقتصادية مرتبطة" بشروط خارجية مثل انضمام الدولة إلى اليورو، ويُصور النظام على انه ديمقراطي، بينما يتم التغاضي عن أي عنف قد يمارسه النظام ضد المحتجين، كما حدث في فرنسا (السترات الصفراء) .
بينما في دول تُصنف كخصم استراتيجي، تتحول الأحداث نفسها إلى سرد إعلامي مسيس، يبرز القمع ويختزل الأسباب الواقعية للأزمة، ويصور النظام كعدو مطلق، ويُغفل الدور الأساسي للعوامل الخارجية، مثل العقوبات والحصار الاقتصادي، والتدخلات السياسية والاستراتيجية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق