جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الخلاف داخل التنظيمات/لنقرأ أرشيفنا جيدا -محمد السفريوي

 يعتبر الخلاف داخل تجربة نضالية حية، امرا طبيعيا ،و ليس استثناءا . فالاستقالات، و الانسحابات، أو حتى الانفجارات الصاخبة داخل التنظيمات ليست علامة ضعف بقدر ما هي تعبير عن توتر سياسي وفكري طبيعي . و ليس السؤال الاهم هو : لماذا نختلف؟ بل: كيف نختلف؟.

ارشيف التاريخ الثوري " الماركسي اللينيني " يقدم دروسا راقية. الخلاف بين لينين ومارتوف لم يكن شكليا، بل كان صراعا نظريا وتنظيميا حادا ، بلغ حد الانقسام داخل الحزب. ومع ذلك، لم ينزلق إلى تصفية معنوية أو تشويه أخلاقي. ظلت بين الرجلين علاقة احترام وتقدير، إلى آخر لحظة. كان الصراع عنيفا في الأفكار، ولكنه لم ينحدر للتشهير و التشكيك في النوايا.
إستحضار هذا النموذج ليس حنينا رومانسيا ، بل كمعيار أخلاقي للعمل الثوري. أخلاق المناضل لا تقاس بحدة خطابه فقط، بل بقدرته على الفصل بين النقد السياسي والاحترام الإنساني. وأخلاق الحزب الثوري لا تتجلى في الانضباط الأعمى، بل في إدارة الخلاف بعقل واعي وقلب كبير.
حين يغادر رفيق، أو ينسحب، أو يختلف علنا، لا يبرر لنا تحويله إلى عدو، ولا تسفيه تاريخه، ولا محاكمته أخلاقيا. الخلاف قد يكون حادا، وقد يعتبره البعض مؤلما، لكنه لا يجب أن يصبح مبررا لتردي الاخلاق. التنظيم ليست مدرسة للكراهية، بل عليه ان يسعى ليكون فضاء لتربية الإنسان ....
نحن في حاجة ماسة إلى ترسيخ صورة ذهنية إجابية: صراع نظري واضح، ونقد صارم، لكن بعلاقات إنسانية نظيفة. تلك هي أخلاق الفرسان، وأخلاق الثوار. وتلك هي القوة المعنوية التي تحمي أي مشروع تحرري من التآكل من الداخل.

Mokhlisse Hjib
للأسف، تحول 'الاختلاف الرفاقي' اليوم من صراع فكري إلى 'تصفية حسابات' مغلفة بتهم العمالة. الأخطر ليس هو الانقسام، بل تلك الثقافة الدخيلة التي تجعل من كل منسحب أو منتقد 'مشروع خائن' أو 'عنصراً مخزنياً' وجب إسقاطه معنوياً. هذا التخوين الممنهج والتشكيك في النوايا هو الذي يُعبد الطريق فعلياً لأدوات 'المخزن' لاستقطاب الكفاءات بعد كسرها نفسياً وتهميشها نضالياً. حين يسقط الاحترام وتُرفع المقاصل الأخلاقية، نحن لا نحمي التنظيم، بل نأكله من الداخل ونقدم هدايا مجانية لخصومنا بتنفير المناضلين وتحويلهم إلى أعداء.

Mokhlisse Hjib
وحا٠ة اخرى سي السفريوي محمد الواقع اليوم يكذب هذه المثالية.. فاليسار مع الأسف غرق في مستنقع 'التخوين المتبادل'. لم يعد الخلاف فكرياً، بل أصبح آلية لإسقاط الرفيق عبر وصمه بـ 'البوليسي' أو 'المخزني' لمجرد اختلافه. هذا الاغتيال الرمزي هو أكبر خدمة تُقدم للنظام... فبإسقاطكم للمناضل أخلاقياً وتهميشه، أنتم تدفعونه دفعاً ليكون لقمة صائغة تستقطبها أدوات 'المخزن' التي تستثمر في هذا الانكسار. عندما يتحول الرفاق إلى 'قضاة تفتيش' يشككون في الذمم، فإنهم لا يحمون النضال، بل يمارسون دور 'المخبر' من حيث لا يشعرون، ويهدمون البيت من الداخل.

لنقرأ أرشيفنا جيدا
الثقافة التنظيمية السائدة حاليا داخل التنظيمات اليسارية ، تقرأ الاستقالة كتشويش و ضرب ل“وحدة الصف”. غير أن تاريخ الحركة الماركسية يخبرنا شيئا آخر : الاستقالة، لحظة صراع حقيقي، و مناسبة لتتحول إلى أداة لكشف التناقضات وتطوير الفكر والتنظيم معا.خصوصا إذا توفر التنظيم على قيادة حكيمة مؤهلة للتدبير و القيادة ....
لنين نفسه وفر لنا المثال الأكثر دلالة. فحين قدم استقالته من هيئة تحرير " الإيسكرا " سنة 1903 لم تكن انسحابا صامتا ولا فعلاً احتجاجيا مجانيا ، بل لحظة سياسية معلنة، نوقشت في الصحافة الحزبية، ووضعت أمام المناضلين والرأي العام الاشتراكي. لم تعتبر الاستقالة “سرا تنظيميا”، بل كفرصة للنقاش، ومنها نتج لاحقا أدبيات كاملة حول الحزب، المركزية الديمقراطية، وحدود الانضباط. لم تصادر الاستقالة النقاش، بل طورته و اغنته.
الأمر نفسه نجده في حالات أخرى. انسحاب بليخانوف العملي من الخط البلشفي بعد 1905 لم يوصف كخلاف شخصي، بل فجر نقاشا نظريا حول طبيعة الثورة و ضرورة تطوير الماركسية . استقالة زينوفييف وكامينيف من اللجنة المركزية سنة 1917، في قلب لحظة فارقة، لحظة الثورة، تحولت إلى مرجع كلاسيكي في أدبيات العلاقة بين الخلاف السياسي والمسؤولية الثورية. أما استقالة تروتسكي بعدها ، فقد أسهمت نظريا في نقد البيروقراطية...
حتى الاستقالة الجماعية مع الأممية الثانية سنة 1914 - لينين، روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت -، تحولت إلى لحظة تاريخية ،ومنها ولد مفهوم الانتهازية، وتأسست الأممية الثالثة، وتطور الوعي التنظيمي خطوة إلى الأمام.
ما يجمع هذه الوقائع ليس شكل الاستقالة، بل طريقة التعامل معها. لم تقابل بالصمت ولا بالتخوين السريع، بل بالنقاش، والتوثيق، والجدل النظري. هكذا تحولت الاستقالة من أزمة إلى مادة فكرية، ومن توتر تنظيمي إلى تطور في الأدبيات.
يبدو ان مشكلتنا اليوم ليست في كثرة الاستقالات أو قلتها، بل في فقر النقاش الذي يليها. حين نسارع إلى إعتبار الاستقالة “سلوك فردي”، نخسر فرصة فهم أعطاب التنظيم. وحين تدير القيادة النقاشات حولها إما أخلاقيا أو بالدعوة إلى تجاهلها ، تفوت لحظة تعليم جماعي ضرورية في بناء الأداة السياسية...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *