سوريا بعد الغزو الثلاثي: من تفكيك الدولة، وإعادة هندسة الفوضى وصراع الهويات القاتلة، وشبح التقسيم…!عمران حاضري
سوريا بعد الغزو الثلاثي: من تفكيك الدولة، وإعادة هندسة الفوضى وصراع الهويات القاتلة، وشبح التقسيم…!
لم يكن ما جرى في سوريا تتويجًا لصراع داخلي بقدر ما كان لحظة مفصلية في إعادة تشكيل المجال المشرقي برمّته ، عبر غزو ثلاثي الوظائف: أمريكي ينتهك السيادة، يستثمر في النفط ويرعى التفكيك الاستراتيجي و ص.ه.يوني يقضم الجغرافيا وينتهك السيادة و يبسط هيمنته على الماء و تركي ينتهك السيادة ويدير حزامًا وظيفيًا قائمًا على الإسلام السياسي السني المسلّح...
إسقاط الدولة السورية، بما تمثّله من وحدة قانونية وإدارية و مؤسساتية، لم يُنتج “انتقالًا سياسيًا” كما زعم بعضهم حيث ألقوا بعقولهم و بفرحهم بين أحضان الجولاني و ديموقراطيتة الداعشية ، بل فتح المجال أمام إحلال سلطات أمر واقع، كان أخطرها تمكين هكذا الجولاني وعصاباته التكفيرية كواجهة “حكم” مفرغة من أي مضمون وطني جامع. هكذا مجاميع إرهابية ، يتم استخدامها بعد تهيئتها فكرياً و عقائديا و سلوكيا كي يصبحوا كائنات متعطشة إلى العنف و التكفير و الدم و "إدارة التوحش"...
وفي هذا السياق يمكن فهم تحويل هؤلاء من أسياد للارهاب إلى "أسياد للسلطة" و من ثم إعادة تموضع ضمن هندسة صراع تُخضع المعايير الأخلاقية لمقتضيات البراغماتية الاستراتيجية
إن هذا التمكين للمجاميع الإرهابية ، المهين والمشين للشعب السوري لا يمكن فصله عن منطق الكانتونات العرقية والطائفية بوصفها أداة تقسيم لا عرضًا جانبيًا للفوضى. فالتقسيم هنا ليس مجرد خطوط تماس، بل تفكيك للمواطنة وإعادة تعريف للانتماء على أسس ما قبل الدولة، بما يضرب وحدة الشعب السوري ويحوّل الدم السوري إلى موردٍ لإدامة الصراع...! وقد رافق ذلك سجل واسع من الجرائم: قتل على الهوية، تهجير قسري، تصفيات سياسية ومجتمعية، وتدمير ممنهج لما تبقى من النسيج الأهلي، في سياق يهدف إلى جعل العيش المشترك مستحيلاً
وفي هذا الإطار، يكتسب ما يُروَّج له تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد” دلالته الخطيرة: كمشروع إعادة رسم خرائط على قاعدة التفكيك وإعادة الإدماج القسري في منظومة الهيمنة. هو مخطط يقوم على دول منزوعة السيادة، اقتصادات تابعة، تطبيع إقتصادي أمني ثقافي مع الك.يان الص.ه.يوني، وتوظيف الهويات الدينية والمذهبية كآليات ضبط اجتماعي
في هذا الأفق، يصبح الاستقرار مرادفًا لغياب المقاومة، وتتحول الجغرافيا إلى منصات نفوذ، والثروات إلى موارد مستباحة في سوق السيطرة الدولية
هكذا تُقضم الأراضي السورية، وتُشرعن الوقائع الجديدة، ويُعاد تعريف “الاستقرار” بوصفه غياب المقاومة…!
إن ما يُسمّى بـ“الشرق الأوسط الجديد” لا يعد شعوب المنطقة إلا بمزيد من التفكك والتبعية و بمزيد من الإذلال ونهب الثروات، حيث دول بلا سيادة، ومجتمعات بلا مواطنة، وحدود رخوة أمام أي عدوان خارجي، وصلبة في وجه أي مشروع تحرري
وسوريا، في قلب هذا المخطط، تُستهدف بوصفها عقدة جيوسياسية ورمزًا لمعنى الدولة المدنية في المشرق رغم بعض التحفظات عليها (وهنا نتكلم عن الدولة لا عن النظام الذي ساهم بدوره في شروط الانهيار)
ربما كانت واحدة من أهم أسباب الحرب المبكرة على سوريا ، رفضها استبدال الجغرافيا السياسية للغاز الإيراني و الروسي بأخرى للغاز القطري أساساً.
في سياقات الاستراتيجيات الجديدة للامبريالية المتمثلة في الهروب من أزماتها البنيوية نحو أشكال من الحروب و الفتن المذهبية و المناطقية و إلحاق أكبر قدر من الدمار بالبنى التحية بحسب ما أشارت إليه "نعومي كلاين" في كتاب " عقيدة الصدمة" بهدف إنعاش الشركات و المؤسسات الرأسمالية الكبرى تحت عنوان " إعادة الإعمار و إعادة إنتاج التبعية و تعزيزها وفق فلسفة السوق المتوحشه لمدرسة شيكاغو
بالتالي فإن مستقبل سوريا ، إن استمر هذا المسار، وفي ظل هشاشة البديل التحرري المقاوم، ينذر بترسيخ نموذج "الدولة الكانتونية" و التقسيم وتدويل دائم للصراع، مع ارتدادات كارثية على لبنان والعراق وفل.س.طين
غير أن انسداد الأفق لا يعني غياب البديل تاريخيًا… فالشعب السوري له إرث لافت في مقاومة الاحتلال والغزو الأجنبي. كما أن التاريخ يُظهر أن مشاريع التفكيك، مهما بدت متماسكة، تحمل في داخلها تناقضاتها.
و عليه إن استعادة سوريا كوطن جامع تمرّ عبر إعادة بناء المعنى الوطني الديمقراطي على أساس المواطنة المتساوية، وقطع التبعية للخارج، ورفض كل أشكال الغزو والتكفير والطائفية، وربط التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية
وفي أفقٍ أكثر رمزية، ليست المقاومة مجرد فعل عسكري، بل استعادة للمعنى: معنى السيادة، معنى العيش المشترك، ومعنى الدولة بوصفها إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا جامعًا. فالمشروع المقاوم الحقيقي هو ذاك الذي يزاوج بين التحرر الوطني والحداثة المواطنية التقدمية، بين العقل والتاريخ، بين السيادة والعدالة الاجتماعية. عندها فقط يصبح “الوطن” أفقًا مفتوحًا لا كانتونًا مغلقًا، وتتحول الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء مواطنة متساوية ، يلغي التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو طائفي أو مناطقي أو قبلي أو اثني في سياق التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي.
عمران حاضري
24/1/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق