قراءة في اطروحة السيرورات الاربع *الرفيق محمد السفريوي
يكمن في قلب أطروحة السيرورات الأربع، كما بلورها النهج الديمقراطي في وثائقه ومقررات مؤتمراته؛ افتراض نظري وسياسي غالبا ما لا يتم تدقيقه كفاية أو يتعامل معه كمسلمة سريعة: نحن نشتغل داخل "وضع ما قبل ثوري "، لا داخل وضع إصلاحي مستقر، ولا داخل لحظة ثورية واعدة. هذا التحديد ليس توصيفا بسيطا ،بل يعتبر مفتاحا لفهم السيرورات الأربع، ولتفادي تحويلها إلى مهام مجردة أو شعار تعبوي.
الوضع ما قبل الثوري يعني ببساطة أن شروط الفعل الحاسم لم تنضج بعد، لكن تناقضات النسق بلغت مستوى يتيح لنا إمكانات حقيقية للفعل السياسي؛ فالجماهير تتحرك، و إن دون أفق سياسي موحد؛ الغضب حاضر، لكن الوعي متشظ ومتفاوت. داخل هذا الوضع، لا يمكن افتراض وحدة الوعي، كما لا يمكن إفتراض وحدة التشكيلات الاجتماعية المنخرطة في كل سيرورة.
من المفترض فهم السيرورات الأربع، لا كمجالات تشتغل بالمنطق نفسه، ولا كمسارات تفترض مستوى واحدا من الوعي والتنظيم.
فسيرورة تطوير وتوسيع التنظيمات الذاتية المستقلة، هي المجال الذي يتجلى فيه الوعي في أكثر أشكاله عفوية ومباشرة. تنسيقيات، لجان، حراكات محلية وقطاعية، تتحرك جراء الظلم الملموس: الأجور، الأرض، الماء، القمع، التهميش. و هذا ما يمكن تسميته بالوعي الحسي أو الوعي العفوي، وعي لا يقلل من قيمته الثورية، لكنه محدود بأفق التجربة المباشرة، وقابل إما للتطور أو للاحتواء. هذه السيرورة لا تنتج ميكانيكيا وعيا سياسيا لكنها تشكل مادته الخام.
اما في سيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية، ننتقل إلى مستوى آخر من الوعي. هنا لا يجتمع الفاعلون فقط حول مطلب جزئي، بل حول برنامج حد أدنى يربط بين مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي. الوعي في هذا المستوى يصبح وعيا اقتصاديا وسياسيا إلى حد ما، وعيا في طريقه لإدراك طبيعة الخصم، و قد يعي حدود الإصلاح، لكنه يظل متذبذبا، بحكم تعدد الانتماءات الطبقية وتفاوت المصالح داخل الجبهة نفسها. لذلك هاته السيرورة النضالية عليها أن تفرز، عبر الصراع، القوى المؤهلة للقيادة.
أما سيرورة بناء الحزب السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين، فهي المجال الذي عليه ان يؤدي إلى تشكل أعلى مستويات الوعي: الوعي السياسي النظري، الوعي الطبقي التاريخي. ووفق الدرس اللينيني، هذا الوعي لا ينبثق عفويا من داخل الصراع الاقتصادي، بل ينقل إلى الطبقة العاملة عبر تنظيم سياسي ثوري، يمتلك أدوات التحليل، والقدرة على الربط بين النضالات الجزئية وأفق التغيير الشامل. هنا تصبح مهمة الحزب، في وضع ما قبل ثوري، ليست “قيادة” سيرورات ناضجة، بل المساهمة في إنتاج شروط النضج نفسها.
أما سيرورة بناء أممية ماركسية، فهي المجال الأبعد أفقا عن هذا الوعي، وعي يدرك الطابع العالمي للتناقضات، وهي سيرورة لا يمكن اختزالها في التضامن، بل في الإسهام في تشييد أفق استراتيجي مشترك عبر تجربة رائدة محليا .
الخلاصة أن أطروحة السيرورات الأربع تفقد معناها إذا فهمت خارج الإقرار بتفاوت الوعي وتعدد التشكيلات الاجتماعية المنخرطة فيها. ليست كل السيرورات تشتغل بالعقلية نفسها، ولا بالأدوات نفسها، ولا بالمنطق التنظيمي نفسه. وفي وضع ما قبل ثوري، يكون الخطر الأكبر هو إسقاط وعي الحزب على الجماهير، أو انتظار أن تنتج العفوية ما لا يمكن أن تنتجه وحدها.
صوابية الأطروحة تكمن في قدرتها على قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمناه، وعلى بناء تنظيم سياسي يعرف أن مهمته التاريخية اليوم ليست جني ثمار النضج، بل الاشتغال الصبور على صناعته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق