جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

وزير الصحة يداوي الانهيار بالفيديوهات وبقرارات تعمق جراح المستشفيات العمومية*موقع عبر

 في بلد تتكدس فيه طوابير المرضى أمام المستشفيات، وتُؤجَّل فيه العمليات الجراحية بسبب نقص الأطر والمعدات، ويُترك فيه المواطن الفقير وحيدًا أمام الألم، يخرج وزير الصحة والحماية الاجتماعية بقرارات لا تمتّ للواقع الصحي بصلة، وكأن الأزمة التي يعيشها القطاع مجرد خلل في الصورة لا في البنية، ومشكلة تواصل لا انهيار منظومة.

الوزير، القادم من عالم المراكز التجارية وإدارة الفضاءات الاستهلاكية، يبدو أنه نقل معه منطق الواجهة والتسويق إلى قطاع يفترض أن تكون أولويته إنقاذ الأرواح لا تحسين الزوايا البصرية. فبدل الانكباب على ترقيع ما يمكن ترقيعه في مستشفيات تنقصها الأسرة، وتعاني من أعطاب متكررة في الأجهزة، وخصاص مهول في الموارد البشرية، قررت الوزارة التوقيع على صفقات بملايين الدراهم في مجالات لا يشعر المواطن بأي أثر مباشر لها.
آخر هذه القرارات إطلاق صفقة بقيمة 466 مليون سنتيم لإحداث مركز عمليات للأمن السيبراني، بدعوى حماية المعطيات الحساسة للمرضى وتفادي الاختراقات الإلكترونية. لا أحد يجادل في أهمية حماية البيانات، ولا في ضرورة تأمين الأنظمة المعلوماتية، لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه، هو أي معطيات سنحميها، وأي منظومة رقمية نتحدث عنها، في مستشفيات ما زالت تسجلات المرضى تُكتب باليد، وأقسام الاستعجالات تشتغل في ظروف أقرب إلى الكارثية؟
الأدهى من ذلك، أن هذا التوجه التقني المكلف وبتعليمات شخصية من وزير الصحة، يُقدَّم وكأنه أولوية وطنية، في وقت أصبح فيه المواطن يخاف من ولوج المستشفى العمومي أكثر مما يخاف من المرض نفسه. فالمشكل لم يكن يوماً في "الهاكرز"، بل في غياب الطبيب، وانقطاع الأدوية، وتعطل أجهزة الفحص، وسوء الاستقبال، وضرب كرامة المرضى بشكل يومي.
ولأن الواقع لا يمكن تجميله بالإجراءات التقنية وحدها، اختارت الوزارة الهروب إلى الأمام عبر بوابة التواصل. فقد أعلنت، في خطوة وُصفت بأنها لتلميع صورة قطاع وصلت سمعته إلى الحضيض، عن إطلاق صفقة جديدة بقيمة تفوق 3 ملايين و264 ألف درهم لإنتاج محتويات سمعية بصرية وإعلانات موجهة للتلفزيون والمنصات الرقمية، بهدف "تصحيح الصور النمطية" حول المستشفيات العمومية.
هنا، يصبح العبث سياسة. فبدل إصلاح الأعطاب، يتم تصويرها. وبدل معالجة الجرح، يتم وضع فلتر عليه. كأن المواطن سيقتنع بجودة الرعاية الصحية عبر فيديو دعائي متعدد اللغات، بينما يُترك لساعات فوق نقالة مكسورة في ممر مستشفى. وكأن الكرامة تُستعاد بإعلان، لا بطبيب يصغي، ولا بسرير نظيف، ولا بعلاج متوفر.
قرارات وزير الصحة لا تعكس فقط سوء تقدير للأولويات، بل تكشف عن انفصال تام بين من يدبر القطاع ومن يعيش مآسيه يومياً. إنها سياسة تعتمد منطق "المول" بواجهة جذابة، إضاءة قوية، وموسيقى خلفية، بينما المخزن من الداخل فارغ أو متداعٍ. والنتيجة المتوقعة واضحة، الا وهي مزيد من الهدر، مزيد من الغضب، ومزيد من التدهور لا محالة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *