خاطرة على هامش كاس افريقيا الاخير*عمران حاضري
خاطرة على هامش كاس افريقيا الاخير
*كرة القدم، حين تُنتزع من معناها الإنساني، تتحوّل من لعبة إلى أداة.
هي في أصلها ممارسة رياضيه جمالية و جماعية إبداعية، و تعبير عن التقارب، والتشارك الرمزي بين الأفراد والشعوب... غير أنّ الرأسمالية المتوحّشة، حين التهمتها، من خلال لوبياتها المالية و السياسية ، افرغتها من مضمونها و حولتها إلى بضاعة في سوق الرأسمالية و ثقافة السوق الاستهلاكية و ما يترتب على ذلك تدمير الروابط الإنسانية القيمية و الإبداعية ، و أعادت تشكيلها كصناعة ربحية إيديولوجية ، تُدار بمنطق السوق لا بمنطق القيم ، وتُوظَّف لتفريغ الغضب الاجتماعي، وتخدير الوعي الجمعي، كآلية الهاء عن مشاكل الجماهير الشعبية الحقيقية وإعادة إنتاج الطاعة والانقسام و سلوك القطيع ، بدل التضامن والتحرّر و الانفتاح القيمي على الآخر
في هكذا سياق، لم تعد المنافسة الرياضية فعلاً إنسانياً ثقافياً حضارياً، بل أداة لإثارة العصبيات البدائية، وتغذية الكراهية المتبادلة بين شعوبٍ تتقاسم المصير ذاته من الفقر والتبعية والاستبداد و الهيمنة
إنّ وهم “الانتصار” الذي يُباع للجماهير ليس سوى تعويض رمزي زائف عن هزائم سياسية واجتماعية حقيقية ؛ ففوز فريق عربي على آخر، أو إفريقي على شقيقه، لا يحمل أي معنى تحرّري ما دامت الأنظمة متساوية ، متعادلة في القمع، إزاء شعوبها والت.ط-بيع، والتواطؤ، والخذلان أمام ج-ر.ائم الإب-ادة وقطع أوصال الحياة في غ+ز+ة
نفسياً، تعمل هذه الظاهرة على تحويل الإحباط البنيوي إلى تعصّب أعمى و بحسب علم النفس الاجتماعي الإنساني المهزوم داخلياً لما يفقد الثقة بالنفس يلتفت من حوله ليبحث عن مصدر قوة خارجي ليجدها في من يتوهم من الساسة أو الفرق الرياضية و غيرهم، و بالتالي ، يستبدل الوعي النقدي الموضوعي بالانفعال العاطفي الغريزي، فتُختزل الكرامة في نتيجة مباراة ، وتُستبدل الأسئلة الكبرى عن الحرية والعدالة والسيادة بصراخ مدرّجات
"مُسيَّسة" دون وعي منها...!
وسوسيولوجياً، تُفكَّك قصديا ، الروابط الشعبية الجامعة، ويُعاد إنتاج الانقسام الهويّاتي والعرقي والديني والرياضي داخل المجال الجماهيري ذاته، في خدمة نظام عالمي و توابعه ، الذي لا يرى في الشعوب سوى أسواق، وفي الجماهير سوى أدوات استهلاك وضبط
إنّ استعادة كرة القدم إلى معناها الإنساني لا تمرّ عبر نتائجها، بل عبر تحرير الوعي من وهمها، وإعادة وصل الرياضة بالأخلاق، و المتعة بالمسؤولية في الاحترام ، والانتماء بالتضامن بين الشعوب. فليس الانتصار في تسجيل الأهداف الكروية، بل في كسر دائرة التبعية، والصمت، والكراهية المصنعة و التنافر غير المبرر والأنانية المقيتة و العصبيات أو المبايعات العاطفية
و بالمحصلة ، ما لم يتحوّل التشجيع إلى وعي، والفرح إلى موقف ، لأن الفرح الحقيقي لا يقيد بل يحرر ولا يسحق أفراح الآخرين أيضاً ، ربما هنا نستحضر نيتشه حيث قال" الفرح هو المعيار الذي يضفي شرعية على الفعل البشري"! بالتالي ما يمكن استخلاصه في سياق عقلنة الفرح بصفة أساسية أن الفرح هو دفق عفوي لطاقتك الذاتية و قدراتك الذاتية في الإنجاز وإسعاد الآخر ، أما الفرح المتأتي من مصدر خارجي هو في الحقيقة و إلى حد كبير ،تكريس و تجسيد "لعبودية الفرح"...! ، لذلك تم التأكيد على ضرورة السعي إلى تحويل الشجيع إلى وعي و منطق و الفرح إلى موقف إنساني
ستبقى الملاعب صاخبة كما بعض الساحات العامة حيث "يتجاحش" بعضهم و يلقون بفرحهم بين احضان الأعداء الطبقيين الداخليين والخارجيين،،، فيما العالم بشعوبه و اممه ، من حولها ينزف في غياب الفرح الصادر عن العقل و الإرادة في مواجهة الرداءة و ثقافة السوق الاستهلاكية و لوثة الوعي في كافة المجالات و مفردات الحياة ، في السياسة و الثقافة كما في الرياضة ، كفعل بشري يرنو إلى التحرر من براثن النيوليبرالية و التشيؤ و الفرح العبودي
عمران حاضري
19/1/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق