جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

اهتراء البنية التحتية والخيارات التبعية على إيقاع الحوادث الطبيعية*عمران حاضري

اهتراء البنية التحتية والخيارات التبعية على إيقاع الحوادث الطبيعية

ما شهدته تونس على إيقاع إعصار "هاري" منذ 18 جانفي الجاري ، لا يمكن اختزاله في توصيف تبسيطي من قبيل “كارثة طبيعية”، بل يندرج ضمن ما يمكن تسميته الكارثة المركّبة هي لحظة انفجار تاريخية يتقاطع فيها الطبيعي مع السياسي، والمناخي مع الطبقي، لتكشف عن بنية دولة مأزومة لا تعاني فقط من التخلف ، بل من خيار تبعي بنيوي أعاد إنتاج الهشاشة بوصفها نمط حكم.
فالأمطار الغزيرة لا تُنتج الفيضانات بذاتها، بقدر ما تُعرّي ما هو قائم سلفًا: دولة رخوة، وسياسات رخوة، وبنية تحتية مهترئة ورخوة، هي بدورها نتاج الدولة التبعية التي تفقد القدرة على التخطيط طويل المدى، وعلى الاستثمار الوقائي، وعلى حماية المجال العام بوصفه حقًا جماعيًا لا كلفة مالية.
في هذا السياق، لا تكون الطبيعة خصمًا، بل شاهدًا؛ ولا يكون الإعصار سببًا، بل كاشفًا
إن تصنيف بعض المدن ضمن “مناطق برتقالية” لا يُخفي الحقيقة الجوهرية حيث الخطر الفعلي أحمر اجتماعيًا وطبقيًا. فالهشاشة لا تُوزَّع بالتساوي، بل تُسقَط عموديًا على الفئات الشعبية، التي تتحمّل وحدها تبعات غياب الاستثمار العمومي المنتج، وضعف الصيانة، و هشاشة شبكة الطرقات وانهيار منظومات الصرف، والتوسع العمراني غير المخطط ... هنا تتجلّى مفارقة الدولة التبعية: دولة تُجيد إدارة المماطلة ، وتفشل في بناء الوقاية؛ تُتقن خطاب الطوارئ، وتعجز عن صناعة الأمان
بهذا المعنى، تتحوّل الحادثة الطبيعية إلى أداة تحليل سوسيولوجي سياسي، تكشف عن شكل من العنف البنيوي الصامت: عنف يُمارَس عبر الإهمال، وتأجيل الصيانة، وتطبيع الخطر، وتحميل المواطن مسؤولية النجاة الفردية في بيئة مُفرغة من شروط السلامة. وهو عنف يجد جذوره في نموذج تنموي تابع، ريعي، يُنفق على خدمة الدين الخارجي أكثر مما يُنفق على حق الناس في بيئة سليمة وتجهيزات بنيوية مطابقة للمعايير العلمية
الهشاشة، بهذا المعنى، ليست ظرفية ولا طارئة، بل بنية تاريخية. إنها ثمرة خيار استراتيجي ربط السيادة بمراكز القرار الخارجية، وجرّد الداخل من حقه في التخطيط المستقل، فأُفرغت الدولة من مضمونها الاجتماعي، وتحولت إلى جهاز إدارة أزمات بدل أن تكون أداة إنتاج أمان... هنا يواجه المواطن الفيضانات كما يواجه الغلاء والبطالة والتلوث وهو أعزل، قَلِق، ومُتروك، في ظل غياب العدالة الاجتماعية والعدالة المناخية معًا
فالعدالة المناخية ليست مسألة بيئية محضة، بل قضية طبقية بامتياز: من يدفع ثمن التغيرات المناخية وسوء البنية التحتية ليس من استفاد من الريع، بل من سُلب حقه في السكن الآمن، والماء النظيف، و البيئة السليمة ،والفضاء الحضري المحمي. ومن دون عدالة اجتماعية، لا يمكن الحديث عن تكيّف مناخي، لأن التكيّف نفسه يصبح امتيازًا طبقيًا
وعليه، فإن أي مقاربة جادة لا تنطلق من منسوب الأمطار بل من منسوب التبعية ؛ ولا تُقاس بعدد فرق التدخل بعد الكارثة، بل بقدرة الدولة على منعها قبل حدوثها... فإعادة بناء الدولة، هنا، ليست مسألة تقنية بل مشروع تحرري: دولة تنموية شعبية، وقائية، ذات سيادة، تجعل من الإنسان غاية السياسات لا كلفتها، ومن البنية التحتية حقًا مواطنيًا لا بندًا هشا في ميزانية هشة ، ومن البيئة السليمة شرطًا للكرامة لا ترفًا مؤجَّلًا...!
+ + +
ليس الإعصار من خان البنية و الديار
بل دولة رخوة بلا مسار
الأمطار ، مرآة الاختلال، إذا انكشفت ،،،
سياسات التبعية في ثوب إنذار
السحاب بريء النوايا
والذنب ذنب الإهمال و الإنكار
في تجاعيد المدينة
يغرق من بلا جاه و سلطة
وينجو من في القصور و الأسوار
إن السيادة إذا غابت استباحنا فيض التخلف قبل فيض الأمطار
عمران حاضري 21/1/2026


هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *