جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

قراءة الاحتجاجات في إيران بين مشروعية الغضب الشعبي ومخاطر الاختراق الص.هيو إمبريالي*عمران حاضري

 قراءة الاحتجاجات في إيران بين مشروعية الغضب الشعبي ومخاطر الاختراق الص.هيو إمبريالي*عمران حاضري

لا يمكن مقاربة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران إلا من داخل تناقضها العميق: فهي من جهة تعبير اجتماعي مشروع عن اختناق اقتصادي معيشي بلغ مستويات غير مسبوقة، بفعل تضخم تجاوز الأربعين بالمائة، وتآكل القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات، واتساع الفوارق الطبقية، وتغلغل الفساد، وكل ذلك في ظل نظام عقوبات إمبريالية ممتدة منذ عقود استهدفت كسر المجتمع قبل الدولة
وهي من جهة ثانية تقع في قلب حقل ألغام جيوسياسي، حيث تتربص الولايات المتحدة و شريكها الك.يان تحديداً بأي تصدع داخلي لتحويله إلى أداة تفكيك للدولة ، عبر شبكات اختراق داخلية وأجندات «تدويل» ناعمة و عنفية عدوانية بنفس الوقت
ذلك أنه ، من منظور طبقي تحرري، لا يجوز أخلاقياً ولا سياسياً نزع الشرعية عن الغضب الشعبي، ولا اختزاله في مؤامرة خارجية، لأن ذلك يعيد إنتاج قطيعة خطيرة بين الدولة وطبقاتها الشعبية، ويفتح الباب أمام تعميق الاستبداد باسم الاستقرار ،كما لا يجوز، في المقابل، التعامل الساذج مع الاحتجاج بوصفه فعلاً «نقياً» خارج الصراع الدولي، لأن التجربة التاريخية في المنطقة والعالم تُظهر كيف تتحول المعاناة الاجتماعية، إذا لم تُحصَّن سياسياً وتنظيمياً، إلى مادة خام لمشاريع التفكيك الإمبريالي
بالتالي ، التعاطي التحرري المبدئي يقتضي : أولاً ، الاعتراف الكامل بالأسباب البنيوية للاحتجاج ، فالأزمة الاقتصادية ليست عارضة، بل ناتجة عن تضافر العقوبات مع اختلالات داخلية في إدارة الاقتصاد، وانغلاق سياسي، وتراجع الحريات المدنية، وغياب آليات الرقابة الشعبية، ما سمح بتراكم الثروة لدى أقلية في المجتمع وتهميش العمل المنتج فى القاعدة العمالية و الشعبية... إن إنكار هذا الواقع أو قمعه لا يحمي الدولة، بل يضعف قاعدتها الاجتماعية ويُفرغ خطاب المقاومة من مضمونه الاجتماعي
وثانياً، يقتضي هذا التعاطي مع الاحداث الأخيرة ، الفصل التحليلي الصارم بين الشعب وأعدائه: الشعب الإيراني المنتفض ليس نقيضاً للمشروع الوطني السيادي، بل شرطه الاجتماعي... أما أعداء إيران الحقيقيون فهم القوى الص.هيو امبريالية التي تسعى إلى تفكيك الدولة، وضرب برنامجها النووي، وكسر موقعها كقوة إسناد و دعم للم.ق.اومة و قوة ردع وحيدة في الإقليم في مواجهة الك.يان ، وتعطيل دورها موضوعيا في إفشال مشروع «الشرق الأوسط الجديد» و تداعياته الكارثية على المنطقة بالتالي ، الخلط بين الطرفين يخدم الأعداء ولا يحمي السيادة و الإرادة الشعبية...!
وثالثاً، يتطلب الموقف التحرري نقداً شجاعاً لانغلاق النظام: فالدولة التي ترفع راية المقاومة لا يمكنها الاستمرار في تجاهل مطالب العدالة الاجتماعية والحريات المدنية، لأن المقاومة بلا قاعدة شعبية واعية ومنظمة تتحول إلى جهاز فوق المجتمع، قابل للاختراق من داخله . إن توسيع المجال العام، ومأسسة و دمقرطة المشاركة الشعبية، ومحاربة الفساد بآليات شفافة، ليست تنازلات للغرب، بل شروط داخلية لتحصين الاستقلال الوطني...!
و رابعاً، إن تفويت الفرصة على التدخل الخارجي لا يتحقق بالقمع ولا بتعميم تخوين جميع المحتجين ، هناك ما يؤكد التوظيف من الولايات المتحدة و الك.يان و محاولة الركوب على الاحداث ، لكن هناك أيضا ، شرائح شعبية عفوية واسعة كما بعض النخب التقدمية التي لا تملك ترف النزول إلى الشارع بل حركتها الأزمة المعيشية أساساً التي انطلقت بإضراب تجار البازار و التحقت بها قطاعات طلابية و عمالية على إيقاع هكذا أزمة حيث انزلق الريال إلى أدنى مستوياته و تجاوزت نسبة الزيادة في بعض المواد الأساسية السبعين بالمائة حيث لم تعد الفئات الشعبية قادرة على تقبلها و التعايش معها ،،، بل بإعادة بناء عقد اجتماعي مقاوم، يربط بين تحسين شروط عيش الطبقات الشعبية، والدفاع عن السيادة، وتثبيت خيار الردع الإقليمي
وحدها حركة شعبية واعية بتحديات اللحظة محلياً و إقليمياً و دولياً ، مستقلة تنظيمياً وسياسياً، قادرة على ترتيب التناقضات ، و عزل عملاء الداخل ، وفضح الأجندات الخارجية العدوانية، ومنع تحويل الاحتجاج إلى بوابة للفوضى أو الحرب الأهلية
بالمحصلة ، إن القراءة الطبقية الوطنية للتحركات في إيران تفرض موقفاً مزدوجاً غير مريح لكنه ضروري حيث الانحياز الواضح لحقوق الشعب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، دون أي تواطؤ مع مشاريع التدخل الص.هيو إمبريالي؛ والدفاع الصارم عن سيادة إيران ودورها الإقليمي المق.اوم، دون تبرير للاستبداد أو الفساد...
فالتاريخ يعلمنا أن الوطني بلا اجتماعي يتحول إلى سلطة عارية، والاجتماعي بلا وعي وطني يتحول إلى أداة في يد الأعداء... أما الجمع الجدلي بينهما، فهو وحده الذي يعبد طريق التحرر الحقيقي و الانعتاق الاجتماعي المنشود...
عمران حاضري
13/1/2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *