الزنزانة والفكر الثوري: بين القيد والالتزام الجزء الثاني /الرفيق حسن اولحاج
الزنزانة والفكر الثوري: بين القيد والالتزام
الجزء الثاني
كتاب علي فقير «الراعي الصغير الذي أصبح شيوعيًا» ليس مجرد سرد لحياة شخص، بل رحلة وعي في مواجهة القمع والظلم. من الرعي إلى الدراسة، ومن النشاط السياسي إلى الاعتقال، تتحول التجربة الفردية إلى فضاء للتأمل السياسي والفلسفي. الكتاب ينتمي إلى أدب السجون، حيث يصبح القيد مدرسة، والمعاناة وقودًا للفكر، والزنزانة مختبرًا للالتزام الأخلاقي والسياسي. في قلب هذه التجربة يظهر التضحيات الكبرى للحركة الماركسية-اللينينية، وتصبح استشهادات الشهيدة سعيدة المنبهي والقائد عبد اللطيف زروال رموزًا للثبات على المبادئ والمقاومة بلا هوادة.
تبدأ الرحلة في الطفولة الرعوية، حيث تشكل الملاحظة اليومية للتفاوت الطبقي وبذور المقاومة الشعبية وعياً أوليًا بالعدالة والظلم. مع المدرسة والانفتاح على الفكر السياسي، تتبلور قدرة علي فقير على نقد الواقع الاجتماعي والسياسي، والفهم أن النضال لا يكون شعارات بل التزام مستمر بالأخلاق والمبادئ.
الانخراط في الحركة الماركسية-اللينينية يعكس تجربة الالتزام الجماعي والانضباط التنظيمي. لكن الزنزانة هي النقطة الفاصلة؛ هنا تتضح قوة التجربة الاعتقالية: الاعتقال يصبح مختبرًا للوعي، والمعاناة أداة لصقل الإرادة، والصمود ممارسة للحرية.
استشهاد الشهيدة سعيدة المنبهي والقائد عبد اللطيف زروال يجسد أقصى درجات التضحية، ويحول الموت الفردي إلى درس جماعي في الالتزام والمقاومة. النقد السياسي للحركة اليسارية المغربية، كما يقدمه الكاتب، يظهر أن التنازل عن المبادئ مقابل التوافق مع السلطة يؤدي إلى تآكل النضال الثوري. هنا يتضح أن النجاح الحقيقي للحركة لا يقاس بالوجود المادي أو المكاسب السياسية القصيرة، بل بالقدرة على الثبات على المبادئ.
الزنزانة تصبح بذلك فضاءً فلسفيًا وأخلاقيًا: القيد يولد الحرية الداخلية، والصبر يولد الوعي، والمعاناة تولد التضامن. كل تجربة، سواء شخصية أو جماعية، تتحول إلى دليل على أن القوة الحقيقية للنضال تكمن في الالتزام بالمبادئ، والوعي الجماعي، والصمود الأخلاقي.
يترك الكتاب درسًا واضحًا: النضال الثوري ليس شعارات أو ألقابًا، بل ممارسة مستمرة للتضحية والصمود والفكر النقدي. تجربة علي فقير، مع استشهاد الشهيدة سعيدة المنبهي والقائد عبد اللطيف زروال، تؤكد أن الثورة الحقيقية تبدأ من الوعي الفردي وتتغذى بالتجربة الجماعية والمعاناة والتضحية. الزنزانة هنا ليست نهاية، بل مدرسة للحرية والفكر، ومرآة لمعاناة الحركة الماركسية-اللينينية في مواجهة القمع. الحرية، المسؤولية، والالتزام بالمبادئ هي الأسلحة الحقيقية للنضال، والصمود المستمر هو ما يجعل الثورة حيّة وملهمة لكل الأجيال القادمة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق