لشكر.. الرجل الذي أعلن وفاة الاتحاد سنة 1984 ثم جلس على قبره منذ عام 2012 هاشتاغ
لشكر.. الرجل الذي أعلن وفاة الاتحاد سنة 1984 ثم جلس على قبره منذ عام 2012
هاشتاغ
هناك من يكتب التاريخ… وهناك من يجلس فوقه ويحرسه من أي محاولة إحياء.
سنة 1984، أمام بوابة المعرض الدولي بالدار البيضاء، كان شاب اتحادي غاضب يصرخ: الحزب مات… الحزب مات.
لم تكن تلك الجملة فورة ميكروفون، بل أقرب إلى إعلان وفاة مبكر وقّعه صاحبه بحماسة.. ثم عاد بعد سنوات ليشرف بنفسه على تنفيذ بنوده بندا بندا.
كان إدريس لشكر.
التاريخ عندما ينتقم، لا يصرخ.. يبتسم ببرود، ثم يجعل صاحبه يعيش داخل العبارة التي أطلقها، وكأنها قدر سياسي كُتب عليه أن ينفّذه بيده.
بعد سنوات طويلة، صار صاحب الصرخة نفسها كاتبا أول للحزب الذي أعلن وفاته، وجلس على رأسه منذ 2012 كحارس رسمي لقبر سياسي كبير اسمه الاتحاد الاشتراكي.
المفارقة ليست لطيفة.
هي قاسية إلى درجة أن الزمن نفسه يبدو وكأنه كتب السيناريو بنَفَس ساخر.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان مدرسة في النضال ومصنعا للمعارضين الكبار، تحول تدريجيا إلى تنظيم يسير على إيقاع رجل واحد.
القرار مركزي، الأصوات الناقدة تُطفأ تباعا، والقيادات التي صنعت مجد الحزب اختارت الانسحاب بصمت يشبه الاعتذار المتأخر للتاريخ.
في عهد لشكر، لم يُعلن الحزب وفاته رسميا.
جرى اعتماد أسلوب أكثر هدوءاً: تآكل بطيء.. بارد الأعصاب.. يُنجز بدقة جراح يعرف أين يضع المشرط حتى لا يترك أثراً صاخباً.
نتائج انتخابية تتقلص، حضور ميداني يذوب، خطاب سياسي بلا مخالب، وقواعد تنظيمية تتحول إلى جمهور متفرج.
الحزب الذي كان يربك السلطة والمعارضة معاً صار منشغلاً بتدبير توازناته الداخلية، وكأن المعركة الكبرى أصبحت داخل المقر لا خارجه.
خصوم لشكر داخل الاتحاد لا يحتاجون إلى خصوم خارجيين.
هم يكتفون بمراقبة ما يجري منذ 2012.
تزكيات تُوزع بمنطق الولاء، مؤتمرات تتحول إلى جلسات تجديد البيعة، وأي صوت مرتفع أكثر من اللازم يجد نفسه خارج الصورة بسرعة مذهلة.
القيادة تبرر ذلك بالانضباط التنظيمي.
لكن الانضباط عندما يتحول إلى صمت جماعي… يصبح شيئاً آخر.
الاتحاد الاشتراكي الذي أنجب بن بركة وبوعبيد وبنجلون واليوسفي لم يسقط برصاصة سياسية، ولم يُحل بقرار فوقي.
دخل مرحلة ذبول طويلة تحت إدارة رجل أعلن يوماً أنه مات… ثم عاد ليدير مراسم الدفن على مراحل.
السخرية تبلغ ذروتها في كل محطة انتخابية، عندما يرتفع سقف الخطاب عن قيادة الحكومة.
خطاب كبير.. وحزب بالكاد يحافظ على وزنه الرمزي.
طموح بحجم دولة.. وتنظيم بحجم دائرة ضيقة من المصفقين.
داخل الكواليس، يردد اتحاديون سابقون عبارة واحدة:
الاتحاد تحول إلى ملكية سياسية خاصة، تدار بعقلية الحارس لا بعقلية القائد.
المهمة لم تعد إحياء الحزب… بل ضمان بقائه تحت السيطرة.
الرجل الذي صرخ سنة 1984 “الحزب مات” يبدو اليوم كأنه ينفذ وصية قديمة كتبها بنفسه.
ليس عبر إعلان صاخب… بل عبر إدارة هادئة لمرحلة انكماش طويل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق