جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الطبقة العاملة: استقرار الدال وتغيرات المدلول..... يوسف الطالبي مع ردود ونقاشات

 الطبقة العاملة: استقرار الدال وتغيرات المدلول..... يوسف الطالبي

من أسباب ضعف اليسار أنه يرشح نفسه لقيادة مجتمع يجهل عنه أكثر مما يعرف، لقد خضعت التشكيلة الطبقية في المجتمع للعديد من العوامل المؤثرة التي غيرت تركيبته، وفي غياب كامل للدراسات الاجتماعية القادرة على تشريح هذا المجتمع والتحولات الطارئة على تنوعه الطبقي، يبقى خطاب اليسار بدائيا يعتمد تحديدات نظرية متجاوزة.
بالنظر للثورة الرقمية، دخلت المعلوميات جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادي، وتتنبأ التوقعات بغزو الذكاء الاصطناعي مما سيفضي الى غياب لعدد من المهن، إذ افتتحت الصين مثلا، ميناء تجاريا لا وجود فيه للعمال، يعتمد بالكامل على البرمجة الٱلية المزودة بالروبوتات، ويتحدث خبراء الذكاء الاصطناعي عن اختفاء أكيد لعمال المناجم، وكذلك صناعة السيارات والسائقين، بل سيعوض الروبوت قباطنة الطائرات والسفن والأطباء، و ذهب خبير عال المستوى الى أبعد من ذلك، متنبئا بمعاينة تظاهرات في كبريات، المدن في الأجل المنظور ، تطالب بشرعنة الزواج من الروبوت. وإذا كانت النقابات تسعى إلى السيطرة على القطاعات الحيوية كالموانئ والمطارات والسكك والمناجم، فإن مركز القوة الاقتصادية صار اليوم هو التحكم في الجيل الخامس لشبكة المعلوميات.
وإذا ما توقفنا عند ما هو كائن اليوم قبل التوقعات المستقبلية، تؤثر الثورة المعلوماتية على طبيعة اليد العاملة، فإذا كان العامل الكلاسيكي هو ذلك الشخص الذي يساهم في عملية الإنتاج بقوته العضلية مرتديا بدلته الزرقاء وخوذته الصفراء يتحرك في ورشة العمل ببقع الفحم او الشحوم، فإن التحولات قادت إلى أنه اليوم بات يساهم بخبرة ذهنية من خلال معرفة بالأنظمة المعلوماتية مرتديا ملابس أنيقة وربما ربطات عنق. مما يجعله أقرب الى الانتماء الى البرجوازية الصغيرة والانتلجنسيا منه الى الصورة الكلاسيكية للعامل.
وتطرح الطرق الجديدة لتنظيم العمل تحديا ٱخر أمام مهمة تعبئة العمال، فقد صارت المقاولات الكبرى ذات تنظيم شبحي، يخترق الحدود السياسية والقارية، ولم يعد يعرف لها موطن كما لم يعد يعرف لها مالك بفعل التداول السريع للأسهم. وتطور العمل عن بعد فصار العامل رئيسا على نفسه.
وحينما يتعلق الأمر بالمجتمعات التابعة، فإن الوضع يصبح أكثر هلامية، إذ تحضر الاستثمارات العابرة التي تأتي وترحل حسب ما يقدمه لها النظام الاقتصادي من امتيازات وضمانات، وهي غير مستقرة إذ ما ان تستنفذ الموارد حتى تهاجر، او تستعمل في اختراق البلدان من أجل الحيلولة دون اكتسابها لسيادتها الوطنية ووسلطتها على قراراتها السياسية والاقتصادية وبالنتيجة الاجتماعية.
وبالنظر لهذا التعقيد، تنتصب مهمة النضال من أجل دعم الدراسات الاجتماعية في الجامعة المغربية وتشجيع المناضلين الشباب على الهجرة من أجل التخصص في علم الاجتماع بالجامعات العالمية، لتجاوز الإعاقة المعرفية التي تسبب فيها قرار الحسن الثاني إلغاء شعبة علم الاجتماع وإغلاق معهد السوسيولوجيا الذي كان يديره عبد الكبير الخطيبي. إذ بدون معرفة رصينة بالمجتمع وضمنه التحولات الطارئة على الطبقة العاملة فيه يظل كل حديث عن تجنيدها من أجل قيادة التغيير في اتجاه بناء المجتمع الاشتراكي والقضاء على الطبقات كنكتة مثيرة للضحك.
إن اللبس الطارئ على تعريف الطبقة العاملة في ظل هذه المتغيرات يتقوى بفعل التطور الحاصل على مستوى نظام التعليم، فقد صار عدد كبير من المواطنين يحرزون شواهد عليا، جزء قليل منهم يشق حياة تنسجم مع مؤهله العلمي ولكن الجزء الاكبر ينقسم بين العمل في وظائف لم يكن يحتاج فيها لتلك الشواهد وما كلفته من عناء وسنين، كالاشتغال بالتدريس أو السياحة او الأعمال المكتبية ... أو يغير اتجاهه تحت تأثير انسداد الٱفاق وغياب فرص الشغل. لكن الأعقد من ذلك أن هذا العامل يحول دون انخراط هذه الفئة العالية التعليم في العمل السياسي إذ تكون لها مناعة ضد العقائدية الايديولوجية حيث تكون مسلحة بحد أدنى من ادوات النقد في حين تقوم الايديولوجيا على التسليم والثقة في الوعود والخطابات.



Mohamed Ettalbi
احيي فيك جرأتك على مواضيع لم يكن يطرقها (في يسارنا) إلا أقل القليلين لأن الخوض فيها يقابل بقدر كبير من التوجس. فهذه الأسئلة تعد من طرف الكثيرين مدخلا لمراجعة اطروحات مركزية في إيديولوجيا اليسار الجديد وخاصة ما يتعلق بالطبقة العاملة وحزبها بوصفهما ما عماد التغيير الثوري.
توجد نقطتان مهمتان في تطور الطبقة العاملة تسترعيان الاهتمام: الأولى تتمثل في الدور المتنامي للمعرفة في قوة العمل، والثانية انحسار أو تراجع أهمية البروليتاريا الصناعية التي كانت تمثل قوة كبرى في المجتمعات الأوربية حتى سبعينات القرن الماضي.
ولكن السياسات الكينزية في الدول الرأسمالية أدت إلى نمو الاتجاهات الاشتراكية الديمقراطية على حساب الاتجاهات الثورية. أما في المغرب، فإن الأصول القروية للطبقة العاملة والهشاشة التي ميزت ظروف العمل فضلا عن القمع مثلت عائقا قويا حال دون تبلور الطبقة العاملة على المستويات النقابية والسياسية والفكرية. هذه الأسئلة تحتاج، كما قلت أنت إلى إطلاق حركة قوية للبحث العلمي.

Lahjab Aboujamal
لعله من الصعب أن نتكلم عن وجود يسار فعال في المغرب...يسار يؤدي دوره التارخي في دينامية الصراع الطبقي والإيديولوجي والسياسي. أقول اليسار في المغرب ولا أقول اليسار المغربي؟..لأنه يسار يحتاج إلى هوية اجتماعية تجعله يعي ماذا يريد وكيف يمكنه أن يكون يسار قيادة؟ لا يسار "نوستالجيا نظرية" غاب عنها التجديد والإبداع! وهنا أتفق معك في أن اليسار في المغرب يجهل المجتمع أكثر مما يعرفه!؟

Mourad Tairan
الطبقة العاملة أعادت تشكيل نفسها في صور جديدة، حيث صار فائض القيمة ينتزع من العمل الذهني والمعرفي بقدر ما ينتزع من العمل اليدوي، عبر احتكار البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية. البورجوازية العالمية في طورها الجديد، وقد تعمقت في مرحلة الترامبية وأزمة النيوليبرالية، تخلت عن واجهات الحداثة ومؤسساتها واعتمدت منطق القوة المباشرة والربح من السلام، فيما تغولها الرقمي يضاعف السيطرة على المعرفة والاتصال. في الأطراف، تلعب البورجوازية الكومبرادورية دور الوسيط التابع، تعيد إنتاج التبعية وتمنع أي مشروع سيادي. أما الطبقة المثقفة، فهي الحلقة التي يمكن أن تربط المعرفة بالتحرر، شرط أن تستعاد العلوم الاجتماعية كأداة للفهم والمواجهة. جوهر الصراع ما زال قائما، لكن أشكاله تغيرت، والمطلوب اليوم هو كشف آليات الاستغلال الجديدة وربط العامل الرقمي بالعامل التقليدي في تصور واحد للصراع، مع بناء وعي طبقي قادر على مواجهة البورجوازية العالمية وشبكاتها الكومبرادورية في الاطراف التابعة. تحياتي لك رفيقي

Mohammed Charak
أحييك أخي يوسف، على شجاعة طرح السؤال في لحظة يسود فيها اليقين الزائف داخل اليسار أكثر مما يسود الشك الخلّاق. ما كتبته ليس تهجّمًا على فكرة الطبقة العاملة، بل محاولة لإنقاذها من التحجّر النظري، وهذا في حد ذاته فعل يساري أصيل.
أتفق معك تمامًا في أن أحد أعطاب اليسار الأساسية هو اشتغاله بأدوات مفهومية لم تعد تلتقط الواقع كما هو، بل كما كان. اليسار الذي يريد قيادة مجتمع لا يعرف تحوّلاته الاجتماعية العميقة محكوم عليه بأن يتحوّل إلى يسار خطابي، نوستالجي، يكرّر مقولات جاهزة بدل أن ينتج معرفة حية. في هذا المعنى، نقدك ليس موجها للطبقة العاملة، بل لكَسل اليسار المعرفي.
لكن، وربما هنا نقطة التمايز، فإن تحوّل أشكال العمل وقوة العمل لا يعني بالضرورة ذوبان الطبقة العاملة أو انتقالها النهائي إلى البرجوازية الصغيرة أو الإنتلجنسيا. ما تغيّر هو شكل الاستغلال، لا منطق الاستغلال. العامل الذي يبيع اليوم خبرته الذهنية، أو وقته أمام شاشة، أو بياناته، لا يملك وسائل الإنتاج الرقمية، ولا يتحكم في الخوارزميات أو المنصات أو شروط السوق. إنه ما يزال خاضعًا لعلاقة تبعية، وإن كانت أقل فظاظة وأكثر تجريدًا.
صحيح أن الصورة الكلاسيكية للعامل ذي البدلة الزرقاء لم تعد مهيمنة، لكن الخطأ الذي وقع فيه جزء من اليسار سابقًا اختزال الطبقة العاملة في هذا النموذج لا ينبغي أن يُعوَّض بخطأ معاكس، وهو إعلان نهايتها.
نحن أمام إعادة تشكّل طبقي لا أمام إلغاء للصراع الطبقي.
أما بخصوص العمل عن بعد والتنظيم الشبحي للمقاولات، فهذه التحولات لا تلغي الحاجة إلى التنظيم، بل تجعلها أكثر تعقيدًا. العامل الذي يبدو رئيسًا على نفسه، هو في الواقع محكوم بعقود هشة، وخوارزميات تقييم، وضغط دائم للإنتاج، دون حماية نقابية أو أفق جماعي. هنا بالضبط يتأخر اليسار، لأنه لم يطوّر بعد أدوات تنظيم تناسب هذا النمط الجديد من العمل.
وفي ما يخص المجتمعات التابعة، أتفق معك تمامًا، الهشاشة هنا مضاعفة، لأن الاستغلال الاقتصادي يتقاطع مع التبعية السياسية وفقدان السيادة. لذلك لا يمكن استيراد تصورات أوروبية عن تشكّل الطبقة العاملة وإسقاطها آليًا على المغرب أو غيره من بلدان الأطراف. هذا ما يجعل دعوتك لإحياء علم الاجتماع، وربطه بالفعل السياسي، هي دعوة مركزية لا هامشية.
أما مسألة التعليم والشهادات، فأنت تضع يدك على مفارقة عميقة، توسّع التعليم لم يؤدِّ إلى توسّع الوعي السياسي، بل أحيانًا إلى فردانية نقدية منزوعة الأفق الجماعي. لكن هذه المناعة ضد العقائدية لا ينبغي أن تُقرأ فقط كعائق، بل أيضًا كفرصة. فاليسار الذي يراهن على التسليم الإيديولوجي انتهى زمنه، أما اليسار القادر على مخاطبة عقول نقدية، لا مريدين، فهو اليسار الذي لم يولد بعد.
تعريف الطبقة العاملة أصبح ملتبسًا، لكن الالتباس ليس مأزقًا نظريًا بقدر ما هو دعوة لإعادة البناء. جوهر الصراع لم يختفِ، بل انتقل من المصنع إلى المنصة، ومن الآلة إلى الخوارزمية، ومن العضلة إلى الدماغ. ومهمة اليسار اليوم ليست إعلان الحداد على طبقته التاريخية، بل إعادة اكتشافها في أشكالها الجديدة، وربط نضالها بنضال السيادة والعدالة الاجتماعية والمعرفة.
مرة أخرى، نقاشك ضروري، ليس لأنه يقدّم أجوبة نهائية، بل لأنه يزعج الأسئلة الكسولة. وهذا بالضبط ما يحتاجه يسارنا اليوم.
تحياتي الرفاقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *