ماذا تبقى من عدم الانحياز؟ د. طنوس شلهوب
ماذا تبقى من عدم الانحياز؟
د. طنوس شلهوب
التحوّل في موقف الهند من التأييد الصريح للفلسطينيين في نضالهم الوطني إلى شراكة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، خاصة في عهد ناريندرا مودي، لا يمكن فهمه كحادثة دبلوماسية عابرة، بل بوصفه تعبيرًا عن تبدّل عميق في طبيعة الدولة الهندية نفسها: من دولة قائدة في حركة عدم الانحياز إلى قوة قومية صاعدة تغلب مصالحها وأولوياتها.
في عهد جواهر لال نهرو، كانت الهند ترى في القضية الفلسطينية امتدادا طبيعيا لنضالها ضد الاستعمار البريطاني. دعمها لـ منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن مجرد موقف أخلاقي، بل جزءا من هوية سياسية تنتمي إلى معسكر الجنوب العالمي. لكن بعد نهاية الحرب الباردة واعتراف الهند بإسرائيل عام 1992، بدأت البراغماتية تحلّ محلّ الخطاب الأيديولوجي.
اليوم، أصبحت إسرائيل شريكا عسكريا وتكنولوجيا أساسيا للهند، في ظل توترات مع باكستان ومنافسة استراتيجية مع الصين. أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة وتقنيات المراقبة جعلت من إسرائيل مزوّدا أمنيا مهما.
هذا البعد المصلحي يُستكمل بالايديولوجيا. فصعود القومية الهندوسية مع حزب بهاراتيا جاناتا أدخل عنصرا أيديولوجيا واضحا، مع تقاطعات رمزية بين خطاب القومية الهندوسية وخطاب اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتانياهو: مركزية الدولة القومية، أولوية الأمن، التهديد الاسلامي. إسرائيل هنا ليست فقط شريكا عسكريا، بل نموذجا سياسيا يُحتذى في نظر قطاعات من اليمين الهندي.
أما ما يبدو “ازدواجية” في سلوك الهند — كونها عضوا أساسيا في بريكس وفي الوقت نفسه شريكا استراتيجيا لإسرائيل ومتقاربة مع الولايات المتحدة — فيمكن فهمه ضمن عقيدة هندية تُعرف بالـ«تعدّدية الاصطفاف» (multi-alignment). الهند لا ترى تناقضا في الجمع بين عضوية كتلة تسعى إلى تقليص الهيمنة الغربية وبين بناء شراكات عسكرية مع حلفاء واشنطن. بالنسبة لنيودلهي، بريكس أداة لتعزيز الاستقلال المالي والتنموي، بينما العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة أداة لتعزيز التفوق العسكري والتكنولوجي. إنها سياسة توزيع المخاطر وتعظيم المكاسب.
من منظور نقدي، يمكن القول إن الهند انتقلت من خطاب التضامن التحرري إلى منطق القوة المرن: تتحدث بلغة الجنوب العالمي داخل بريكس، وتتصرف بلغة الأمن القومي الصارم في شراكاتها العسكرية.
إن سياسة “تعدّدية الاصطفاف” تمنح الهند هامش مناورة واسعًا. عضويتها في بريكس، وسعيها لتقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، كلها عناصر قد تعزز خطابها كقوة تمثل مصالح العالم النامي. كما أن احتفاظها بعلاقات مع روسيا، والغرب، والشرق الأوسط في آنٍ واحد، يتيح لها تقليل الارتهان لمحور واحد، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال تقليص الهيمنة.
لكن من ناحية ثانية، تحالفها الوثيق مع إسرائيل، وتقاربها العسكري والتكنولوجي مع الولايات المتحدة، يطرحان سؤال المصداقية. فالنموذج الجنوبي للتحرر لا يُقاس فقط بالاستقلال عن واشنطن ماليا أو تجاريا، بل أيضا بالتموضع السياسي تجاه قضايا يعتبرها الجنوب رمزية في مقاومة الاستعمار، مثل فلسطين. عندما تميل كفة الحسابات الأمنية والاقتصادية على حساب هذا الإرث، يتراجع البعد القيمي الذي يمنح القيادة المعنوية.
في الظروف الراهنة لم تعد الهند تسعى للعب دور “قائد الجنوب” كما فعلت في عهد جواهر لال نهرو، بل إلى أن تصبح قطبا مستقلا بحد ذاته. أي أنها تنتقل من منطق التضامن الأيديولوجي إلى منطق القوة القومية. في هذا الإطار، قد تنجح في تعزيز موقعها كقوة كبرى متعددة الشراكات، لكنها لم تعد نموذجا تحرريا ملهما لبقية دول الجنوب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق