الرفاقية: قيمة أم تكتيك؟الرفيق درازي المختار
الرفاقية: قيمة أم تكتيك؟الرفيق درازي المختار
لاحظت مؤخرا أن صفحات الفايسبوك صارت تمتلئ كل يوم بالشتائم والتخوين بين رفاق الأمس، كأن كل شيء انتهى فجأة وبلا أثر. أشخاص تقاسموا الطاولة نفسها، وأكلوا من صحن واحد، وشربوا من نفس الكأس أو نفس القنينة، وسهروا في الاجتماعات والوقفات، وتبادلوا خطاب الاخوة والنضال، يتحولون بمجرد اختلاف أو انسحاب إلى خصوم يتقاذفون الاتهامات علنا. كأن الذاكرة تمحى بضغطة زر، وكأن المشاركة في الخبز والملح لم تكن سوى تفصيلا عابرا في مسرح مؤقت.
حين تصل العلاقة إلى هذا الحد من الانهيار، يصبح السؤال مؤلما: هل كانت الرفاقية قيمة حقيقية أم مجرد تحالف ظرفي ما إن انتهت شروطه حتى سقط القناع؟
عندما يخرج أحدهم من حزب أو نقابة أو جمعية، لا ينسحب وحده، بل ينسحب معه وهم الرفاقية. فجأة يتبدد خطاب الاخوة، ويتحول الاختلاف في الرأي إلى خيانة، وسوء التفاهم إلى اصطفاف مضاد. علاقات كانت تتغذى يوميا على شعارات التضامن تسقط عند أول امتحان خارج أسوار التنظيم. كأن الرابط لم يكن إنسانيا ولا أخلاقيا، بل عقدا غير مكتوب مشروطا بالولاء والصمت والتماهي. وحين ينكسر الشرط، ينكشف الهش، ويتضح أن كثيرا مما سمي رفاقية لم يكن سوى مصلحة مؤقتة أو تحالفا ظرفيا يرتدي قناع المبدأ.
لسنا فقط أمام ضجيج لغوي عابر، بل أمام ظاهرة أعمق: تمييع فكري واسع ساهمت فيه وسائل التواصل وانتشار الانترنت. لقد أزالت هذه الوسائط الحواجز أمام التعبير، وهو مكسب لا جدال فيه، لكنها في المقابل أضعفت معايير الصرامة. صار الرأي يساوي المعرفة المطلقة، والانفعال يساوي الموقف، والاقتباس السريع المستخرج من تطبيق "شاط جيبيطي" يساوي الاجتهاد.
ومع صعود منصات الذكاء الاصطناعي، وجد بعض ضعفاء التكوين الفكري وسيلة إضافية لإنتاج خطاب يبدو متماسكا شكلا، لكنه فارغ من التجربة والتحليل. لم نكن ابدا ضد استعمال الأنترنيت وتطبيقاته واستثمارها في المفيد،لكن ان نحصل على نصوص جاهزة، ومفاهيم مستوردة، وإحالات مقتطعة من سياقاتها في أغلب الأحوال، وحكم مضافة لملصقات بأسماء مفكرين لا علاقة لهم بها؛ فهذه مشاركة مع سبق الإصرار والترصد في عملية هدم الحقيقة والمعرفة والأخلاق العلمية والرفاقية؛ فبدل أن تكون التكنولوجيا أداة لتعميق للفهم وتوسيع أفق البحث، تحولت عند البعض إلى وسيلة للاختصار المبهم، وقناع يخفي هشاشة الرصيد النظري، وفقر في الأدوات المعرفية التي تمكن من التمييز والنقد .هكذا يمكن تعليل انتشار خطابات مصقولة لغويا، لكنها بلا جذور واقعية.
في هذا المناخ، "مناخ المواقع، ومناخ بان علي نبان عليك" تضخم الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة. كل من يزعم النضال، يتكلم كما لو أنه الممثل الحصري للصواب، وكل تيار يقدم نفسه باعتباره التجسيد النهائي للتاريخ. يمنع عنك الشك في مسلماته بطريقة أو بأخرى، ويختفي التواضع المعرفي، وتحل محلهما يقينيات مغلقة لا ترى في الاختلاف سوى انحراف وتحريف.
ولو أخذنا مثالا من تاريخ الرفاق في المغرب - لا اريد ان أقول اليسار - منذ شرارته الأولى، وجمعنا ما قيل في بياناتهم وكتاباتهم وأدبياتهم، ثم قسنا ذلك بما تحقق فعلا على الأرض، بعيدا عما فرضته التحولات الدولية وضغوط الاقتصاد والسياسة التي دفعت النظام السياسي إلى بعض التنازلات، لوجدنا فجوة مؤلمة بين الخطاب والحصيلة. كمية التنظير، سواء كان اجتهادا أصيلا أو نقلا عن تجارب أخرى، يمكن أن تحسب بالأطنان من الأوراق والحبر. أما النتائج الملموسة، فهي أقل بكثير من حجم الوعود والشعارات.
المشكلة ليست في كثرة الكتابة، بل في غياب آلية نقد ذاتي صارمة تقيس الفكرة بقدرتها على التأثير. حين يتحول الفكر إلى تراكم نصوص دون أثر اجتماعي ملموس، يصبح أشبه بأرشيف ضخم لنيات حسنة أكثر منه رافعة للتغيير. وحين يصبح الفضاء الرقمي بديلا عن الفعل الميداني، تختلط الرمزية بالفعل، ويظن البعض إلى أن نشر بيان أو التوقيع على عريضة يعادل تحقيق مطلب أو خطوة إلى الأمام نحو التغيير. إنه الوهم.
إننا بحاجة إلى استعادة معنى المسؤولية الفكرية، بحاجة أن نفصل بين التحليل والانفعال، ونفصل بين المعرفة والادعاء، ونفصل بين التراكم الكمي والأثر النوعي. فالأهمية لا تكمن في امتلاك خطاب متماسك على الورق او تدوينة على الفايسبوك أو غيره، بل في القدرة على تحويل الخطاب و التدوينة والتوقيت على العريضة .... إلى قوة منظمة تقرأ الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
في زمن وفرة الأدوات، تزداد الحاجة إلى ندرة المعنى. وفي زمن سهولة القول، يصبح الفعل المعيار الوحيد لصدق الفكرة.
معذرة الكثير من الرفيقات والرفاق.
Darazi Moukhtar
والله إلى من المؤسف جدا ان تتحول الخلافات بين الرفاق الى تبادل للشتائم والتجريح بدل ان تكون نقاشا مسؤولا بين افكار وبرامج. اللغة حين تنحدر تكشف ازمة في الثقافة السياسية قبل ان تكشف خلافا في المواقف. سبني ونسبك لا يقوي الحجة ولا يبني التنظيم بل يهدم ما تبقى من الثقة ويفرغ النضال من معناه المطلوب. اليوم هو اعادة الاعتبار للنقد الرصين والتمييز بين الخلاف السياسي والعداء الشخصي حتى يبقى الاختلاف مصدر قوة لا سبب فرقة. تحياتي رفيقي
Elarbi Elbakkali
بداية أحييك على هذا الموضوع باعتباره ظاهرة من ظواهر اليوم التي تتطلب منا تحليل لفك رمزوها، وهنا يمكنني أن اتحدث عنه عبر شقيتن:
موضوعيا، حين يجتمع الرفاق حول مشروع مجتمعي، فإنهم يلتقون على حد أدنى مشترك، كل بمرجعيته وفكره وتوجهه. في تلك المرحلة يكون الهدف أكبر من التفاصيل، ويغدو التنوع مصدر قوة. غير أن ما إن يبدأ المشروع في التشكل ويشتد عوده قليلا، حتى ينتقل الصراع من سؤال: كيف نخدم المشروع؟ إلى سؤال: من يقود المشروع؟ هنا، إن غابت ثقافة الاعتراف والاحتكام إلى قواعد واضحة، تبدأ التصفية بدل التوسيع، وتظهر الدسائس والضرب تحت الحزام، ويصبح الرفيق خصما فقط لأنه لا ينصهر في الإرادة الغالبة. يتحول النقاش من اختلاف في الرأي إلى صراع على المواقع، ومن تنافس مشروع إلى إقصاء ممنهج، فتتآكل الثقة ويختزل التنظيم في معركة سيطرة.
ذاتيا، أرى أن الرفاقية امتحان ضمير قبل أن تكون انتماء تنظيميا. أن تحفظ لمن رافقك حقه، حتى وإن افترقت الطرق. أن تعترف بجميل الأمس، ولا تمحوه لأن ميزان القوى تغير. أن تفرق بين النقد السياسي والاستهداف الشخصي. فالذي ينكر فضل رفاقه، وينقلب عليهم بمجرد اختلاف، لا يبني مشروعا جماعيا، بل يسعى إلى سلطة فردية.
إن المشروع الذي لا يحتمل التعدد، ولا يعترف بمساهمة الجميع، محكوم عليه بأن يتحول إلى ساحة صراع داخلي دائم. أما المشروع الحقيقي، فيقوى بالاختلاف المنظم، وبالاعتراف المتبادل، وبالإيمان أن الهدف أكبر من الأشخاص. لأن من يجعل السيطرة أولوية، يفقد المعنى؛ ومن ينكر جميل رفاق الأمس، لا يمكن أن يؤسس لغد مشترك
الرفاقية ليست شعارا يرفع في لحظة انسجام، ولا كلمة دافئة تستهلك في الاجتماعات والوقفات. هي، في جوهرها، قيمة أخلاقية تختبر عند أول اختلاف حقيقي.
الدسائس الموروثة من قبل التماسيح والعفاريت هي سبب البلا
الصدق رحل وترك لنا كل البلاوي....
Azzane Ahmed
هناك صنف من البشر لا يرى في نفسه انسانا مختلفا فكريا وتقافيا عن الاخرين، بل يرى فيه نموذج وقدوة لا يأتيها الباطل وأي اختلاف ينقل العلاقة او العلاقات الى صراع وحرب كلمات، مما يكشف في المعظم ضحالة الوعي والفكر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق