جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

اليسار، ازمة مشروع أم أزمة بنية؟ التاريخ لا ينتظر! د. طنوس شلهوب

 اليسار، ازمة مشروع أم أزمة بنية؟ التاريخ لا ينتظر!

د. طنوس شلهوب
يصور خالد الكريشي في مقاله «اليسار العربي خارج التاريخ» في جريدة المغرب الالكترونية اليسار العربي كقوة غائبة، أسيرة الجمود الأيديولوجي، ومنفصلة عن هموم الناس اليومية. ينتقد المقال غياب المشاريع العملية وضعف التأثير السياسي، لكنه يغفل عن عاملين حاسمين: الهيمنة الإمبريالية التي تشكل عائقا جوهريا أمام أي مشروع تقدمي، والهشاشة البنيوية التي تحدد إمكانيات التحرك في مجتمعاتنا. من هنا، يطرح المقال فرصة للرد: إعادة التفكير في فاعلية اليسار لا تبدأ بالتشخيص وحده، بل بفهم العوامل التاريخية والاقتصادية التي تحدد قدرته على التغيير.
تتكرر أطروحة تقول إن اليسار العربي أصبح “خارج التاريخ”، وإن الإسلام السياسي هو الذي يتصدر صناعة الأحداث وتحديد موازين القوة. لا شك أن اليسار يعيش أزمة عميقة تنظيميا وشعبياً. لكن تحويل هذه الأزمة إلى حكم نهائي بالإقصاء التاريخي ينطوي على تبسيط مخلّ لواقع أكثر تعقيدا.
المسألة ليست في إنكار الأزمة، بل في كيفية تفسيرها:
هل هي أزمة ذاتية خالصة؟
أم أنها نتاج تفاعل بين اختلالات داخلية وبنية تبعية خارجية تضيق هامش الفعل السياسي؟
اولا: اليسار عموماً تراجع في مواقع السلطة والتمثيل، لكن في الحراكات الاجتماعية، في النقابات المهنية، في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا يزال الحسّ اليساري حاضراً، حتى لو لم يُترجم إلى قوة شعبية كبرى. التراجع السياسي لا يعني العدم التاريخي، بل يعكس خللًا، وربما كبيراً، في التمثيل والتنظيم.
ثانيا: اختزال المشهد في الإسلام السياسي وتقديمه كفاعل أوحد يتجاهل بنية السلطة الفعلية في المنطقة: أنظمة عسكرية وأمنية تمسك بالمفاصل. اقتصاد ريعي مرتبط بالأسواق العالمية. تدخلات إقليمية ودولية ترسم حدود الممكن.
حتى في فلسطين، حيث ارتبطت المقاومة في السنوات الأخيرة باسم حركة حماس، لا يمكن إلغاء حضور فصائل يسارية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولا اختزال المشهد في فاعل واحد.
الصراعات الجارية في المنطقة لا تُختزل في ثنائية “سني–شيعي” أو “إسلامي–غير إسلامي”، بل تتداخل فيها اعتبارات جيوسياسية واقتصادية أعمق.
ثالثا: البعد البنيوي – مجتمعات طرفية في نظام عالمي غير متكافئ. هنا يكمن عنصر غالبا ما يُهمل في تشخيص أزمة اليسار: موقع البلدان العربية في النظام الرأسمالي العالمي بوصفها اقتصادات طرفية أو شبه طرفية. وهذه المجتمعات تعاني من: مديونية مزمنة تربط القرار الاقتصادي بشروط المؤسسات المالية الدولية. تبعية تكنولوجية وعسكرية. اقتصاد ريعي أو استهلاكي أكثر منه إنتاجي. هشاشة في السيادة الغذائية والصناعية. في مثل هذا السياق، يصبح هامش السياسات الاجتماعية المستقلة محدوداً. وأي مشروع عدالة اجتماعية يصطدم بسقف خارجي: اتفاقيات، ديون، التزامات أمنية، وضغوط سياسية.
أزمة اليسار هنا ليست فقط عجزاً تنظيمياً، بل أزمة مشروع تحرري في فضاء عالمي يضغط باستمرار لإعادة إنتاج التبعية. فبعد انهيار تجارب التحرر الوطني في السبعينيات والثمانينيات، أُعيد دمج الاقتصادات العربية في السوق العالمية بشروط غير متكافئة، وتراجعت إمكانات التنمية المستقلة.
إن تحميل اليسار كامل المسؤولية عن التراجع يغفل هذه الحقيقة البنيوية، كما أن ردّ كل شيء إلى “المؤامرة الخارجية” يعفي القوى المحلية من مسؤوليتها. التحليل المتوازن يربط بين العاملين.
رابعا: بين التكتيك والذيلية. في بيئات استقطاب حاد، تضطر القوى السياسية إلى تحالفات ظرفية.
بعض قوى اليسار أخطأت في التموضع، ووقعت في اصطفافات أضعفت صورتها. هذا صحيح.
لكن تعميم “الذيلية” كحكم شامل يتجاهل الفوارق بين تحالف تكتيكي لحظة معينة، وبين ذوبان كامل في مشروع آخر. السياسة في المجتمعات المنقسمة ليست مختبرا نظريا نقيا، بل ساحة معادلات معقدة.
خامسا: أزمة تمثيل في بيئة سلطوية. الحديث عن “توحيد المرشحين” و”التداول الديمقراطي” يفترض بيئة سياسية طبيعية. لكن في معظم الدول العربية: المجال العام مُقيّد. المال السياسي طاغٍ. التنظيم النقابي محاصر. والانتخابات (حيث تُمارس) محدودة الأثر أو خاضعة لميزان قوة غير متكافئ. في مثل هذه البيئة، لا تكون أزمة اليسار أزمة خطاب فقط، بل أزمة إمكانية سياسية موضوعية.
سادسا: الحاجة الموضوعية لمشروع عدالة اجتماعية. رغم كل شيء، تتسع الفجوات الاجتماعية، تتآكل الطبقة الوسطى، تتراجع الخدمات، وتتصاعد البطالة والهجرة. هذه التحولات تخلق موضوعيا حاجة إلى مشروع ديمقراطي اجتماعي. المفارقة أن الحاجة إلى اليسار تزداد في اللحظة التي يضعف فيها تنظيميا.
لكن أي عودة جدية لا يمكن أن تقوم على شعارات مجردة، بل على:
إعادة بناء التنظيم من القاعدة الاجتماعية.
بلورة برنامج اقتصادي واقعي يواجه التبعية لا يتجاهلها.
الجمع بين العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.
تجديد الخطاب دون التفريط بالجوهر.
اليسار العربي ليس خارج التاريخ، بل داخل معادلة اختلال كبرى: اختلال داخلي في التنظيم والتجديد، واختلال خارجي في بنية النظام العالمي. وتجاهل أحد البعدين ينتج تحليلًا مبتورا.
فلا يمكن فهم التراجع من دون نقد ذاتي، ولا يمكن تجاوزه من دون مواجهة منطق التبعية والهيمنة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار قد خرج من التاريخ، بل كيف يمكن لقوى العدالة الاجتماعية في مجتمعات طرفية خاضعة لضغوط خارجية وداخلية أن تعيد بناء مشروع تحرري ديمقراطي اجتماعي قابل للحياة.
التاريخ لم يُغلق بعد. لكنه لا ينتظر أحداً.

اليسار العربي خارج التاريخ: مالعمل؟

لم يعد اليسار العربي قوة فاعلة في المشهد السياسي

كما كان بقدر ما أصبح شاهدًا عليه. ففي الوقت الذي يتصدر فيه الإسلام السياسي، بمختلف تياراته وأنواعه وشقوقه صناعة الأحداث وتحديد موازين القوة، يبدو اليسار العربي بشقيه القومي والشيوعي موزعًا بين موقع المتفرج وموقع المعلّق، أو منخرطًا في اصطفافات ظرفية لأحد شقي الاسلام السياسي سنيا كان أم شيعيا٫ لا تعكس مشروعًا مستقلًا بقدر ما تعكس محاولة للبقاء على هامش صراعات الآخرين. هذه الحالة ليست طارئة، بل هي نتيجة مسار طويل من التراجع الفكري والتنظيمي وسوء التقدير السياسي.
بدأت الأزمة حين فقد اليسار أرضيته الدولية بسقوط المعسكر الاشتراكي، لكنه لم يعوّض ذلك بإعادة تأسيس مشروع واقعي يناسب التحولات الجديدة. ظل جزء كبير منه أسير مفاهيم صيغت لعالم لم يعد قائمًا، بينما كانت المجتمعات العربية تدخل مرحلة جديدة تتسم بانفجار الهويات، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع الدولة الاجتماعية، وصعود الفاعلين غير التقليديين. في هذه اللحظة، كان المطلوب تجديد الفكر والأدوات، لكن ما حدث هو العكس: انكفاء نظري، وانقسام تنظيمي، وخطاب يزداد ابتعادًا عن الواقع وانخراط مجاني في معارك الالهاء الديموقراطي المتجددة يوميا .
في المقابل، تقدم الإسلام السياسي موظفا أقدس قيمة روحية لدى الانسان ولأنه فهم ما لم يفهمه اليسار: السياسة تبدأ من المجتمع. فقد بنى حضوره عبر شبكات الخدمات والتضامن والعمل الأهلي الجمعياتي ، وقدم نفسه باعتباره إطارًا أخلاقيًا وهوويًا قبل أن يكون برنامجًا سياسيًا. وبينما كان اليسار يخاطب الناس بلغة العدالة التاريخية، كان الإسلاميون يخاطبونهم بلغة المعاناة اليومية والانتماء والكرامة مدغدغا مشاعره الدينية والروحية.
لكن صعود الإسلام السياسي لا يفسّر وحده تراجع اليسار. فجزء مهم من الأزمة يعود إلى أخطاء التموضع. فقد فقدت قوى يسارية عديدة استقلاليتها حين اختارت التحالف مع السلطة بحجة مواجهة الإسلاميين، ثم عادت في لحظات أخرى للتحالف مع الإسلاميين بحجة مواجهة الاستبداد. وعلى المستوى العربي تحالف مع الاسلام السياسي الشيعي بل وكان تابعا له بدعوى مواجهة العدو الصهيوني وبعضه تحالف مع الاسلام السياسي السني بدعوى مواجهة المد الشيعي الايراني وفي الحالتين، ظهر اليسار كقوة تابعة لا كبديل، وكطرف تكتيكي لا كصاحب مشروع. ومع كل اصطفاف ظرفي، كان يفقد مزيدًا من مصداقيته لدى الرأي العام.
كما أخطأ اليسار في قراءة التحولات الثقافية والاجتماعية. تعامل مع الظاهرة الدينية بوصفها مجرد عودة إلى الماضي، متجاهلًا أنها تعبير عن أزمة هوية عميقة في مجتمعات تعرضت للتفكك والاغتراب والتهميش. لم ينجح في تقديم صيغة توازن بين العدالة الاجتماعية والانتماء الثقافي، فترك فراغًا ملأته قوى أخرى بخطاب بسيط وواضح ومباشر.
تجلّت هذه الأزمة بوضوح في القضية الفلسطينية. فبعد أن ارتبطت المقاومة تاريخيًا بالحركات القومية واليسارية، أصبحت اليوم مرتبطة أساسًا بـ حركة حماس رغم فشلها في مشروعها تديين الحرب مع الصهاينة فكانت النكسة تلو النكسة وهنا وجد اليسار نفسه في موقع الداعم دون أن يكون فاعلًا. فالشرعية الشعبية في الوجدان العربي تُمنح لمن يقاوم فعليًا، لا لمن يعبّر عن موقف نظري. ومع تراجع حضور القوى اليسارية في ميادين الفعل، تراجع وزنها الرمزي والسياسي.
أما المفارقات الإقليمية، مثل تلاقي قوى مختلفة مذهبيًا حول ملفات معينة، فتؤكد أن الصراع في المنطقة تحكمه حسابات النفوذ والمصالح أكثر مما تحكمه الانقسامات العقائدية. غير أن جزءًا من اليسار بقي أسير قراءات أيديولوجية جامدة، عاجزًا عن فهم منطق التوازنات الجديدة أو التعامل معها ببراغماتية سياسية.
في المحصلة، خسر اليسار ثلاث معارك كبرى: خسر استقلاليته حين اقترب من السلطة أو ذاب في تحالفات ظرفية، وخسر المجتمع حين تحوّل إلى نخبة ثقافية محدودة، وخسر المعنى حين لم يعد قادرًا على تقديم أفق واضح للتغيير. لقد تحوّل من مشروع اجتماعي إلى خطاب نقدي احتجاجي يبني مواقفه على قاعدة الضدية من الاسلام السياسي، ومن قوة تنظيمية محتملة إلى حالة فكرية مشتتة.
غير أن الأزمة، رغم عمقها، ليست قدرًا نهائيًا. فالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي – من اتساع الفقر والبطالة إلى تراجع الخدمات وتآكل الطبقة الوسطى – تخلق موضوعيًا حاجة إلى مشروع يساري دبموقراطي حديث. لكن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب مراجعة جذرية لا مجرد إعادة ترتيب شكلية.
أول شروط الخروج من الأزمة هو توحيد قوى اليسار حول حد أدنى ديمقراطي واضح. لم يعد ممكنًا استمرار حالة التشتت التنظيمي والتنافس الهامشي بين قوى صغيرة متقاربة في الأفكار ومتباعدة في الحسابات. المطلوب جبهة تقدمية ديمقراطية اجتماعية تقوم على برنامج مشترك: الحريات العامة، ٫ مدنية الدولة ومؤسساتها ٫ استقلال القضاء، العدالة الاجتماعية ٫ مقاومة الفساد والتداول السلمي على السلطة فقط عبر الصندوق الانتخابي الديموقراطي التعددي والشفاف. فبدون هذا الحد الأدنى، سيظل اليسار قوة مجزأة لا وزن جد انتخابي لها ولا تأثير سياسي فعلي.
ويرتبط بذلك شرط عملي أساسي: التوافق على مرشحين موحدين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية والبلدية. فالتشتت الانتخابي كان أحد أهم أسباب الهزائم المتكررة. إن تعدد المرشحين اليساريين لا يعكس تنوعًا صحيًا بقدر ما يعكس عجزًا عن العمل المشترك. السياسة، في النهاية، هي فن تجميع القوة لا توزيعها.
الشرط الثاني هو العودة الفعلية إلى المجتمع. لا يمكن استعادة الدور عبر البيانات أو المنصات الإعلامية واستنفاذ القوى في معارك هامشية ، بل عبر العمل النقابي والطلابي والمهني، وعبر الحضور في الأحياء المهمشة والمناطق الداخلية. فالقوة السياسية لا تُبنى في المؤتمرات بل في شبكات التنظيم اليومي والتواصل المباشر مع الناس.
أما الشرط الثالث فهو تجديد الخطاب. لم تعد الشعارات الكبرى كافية. المطلوب لغة بسيطة ومباشرة تتحدث عن الأسعار، والبطالة، والخدمات، والسكن، والنقل، والتعليم، والصحة. كما أن أي مشروع يساري حديث لا يمكن أن يقوم على عداء للهوية الثقافية أو الدينية للمجتمع، بل على صيغة توازن بين العدالة الاجتماعية والخصوصية الحضارية لا تعادي الدين ولا المتدينين.
الشرط الرابع هو الاستقلال السياسي الكامل. لا تحالفات ذيلية مع السلطة، ولا اصطفافات تكتيكية داخل صراعات الإسلام السياسي. المطلوب بناء موقع ثالث مستقل، يقدّم نفسه كبديل تقدمي ديمقراطي اجتماعي، لا كطرف في صراع بين سلطوية سياسية وسلطوية دينية.
وأخيرًا، يحتاج اليسار إلى الانتقال من ثقافة الاحتجاج الدائم إلى ثقافة الحكم. فالناس لا تبحث فقط عمن ينتقد، بل عمن يستطيع أن يدير ويحلّ ويقترح سياسات قابلة للتطبيق. بناء فرق خبراء، وبرامج اقتصادية واقعية، وخطط قطاعية مفصلة، لم يعد ترفًا فكريًا بل شرطًا للثقة السياسية.
التاريخ لا يُدار بالنوايا ولا بالحنين. ومن لا يمتلك تنظيمًا موحدًا، وحضورًا اجتماعيًا، وبرنامجًا واقعيًا، سيبقى خارج الفعل مهما كانت أطروحاته صحيحة نظريًا. أزمة اليسار العربي عميقة، لكنها ليست نهائية. فالمجتمعات التي تتسع فيها الفجوات الاجتماعية لا يمكن أن تبقى بلا تعبير سياسي عن مطالب العدالة.
لكن الشرط الأول لأي عودة هو الاعتراف بالحقيقة القاسية: لا دور لمن هو مشتت، ولا تأثير لمن هو تابع، ولا مستقبل لمن يخوض معارك الأمس بأدوات الأمس. العودة إلى التاريخ تبدأ من الوحدة، ومن المجتمع، ومن برنامج ديمقراطي اجتماعي واضح. وما دون ذلك، سيظل اليسار يكتب البيانات، بينما يكتب الآخرون الواقع والتاريخ.
بقلم: خالد الكريشي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *