جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عن إخلاء مدينة القصر الكبير /الرفيق محمد السفريوي

 إخلاء مدينة القصر الكبير بصورة شاملة، ليس حدثا عاديا . فنحن أمام إجراء غير مسبوق في تاريخ المدينة، بل وفي تاريخ تدبير المخاطر الحضرية بالمغرب عموما. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقرار الإخلاء في حد ذاته، بل بكيفية تواصل الدولة مع ساكنة مدينة كاملة وجدت نفسها فجأة أمام المجهول.

في مثل هذه الحالات، لا تكون السلطة في حاجة إلى مزيد من الصمت، بل إلى فائض من الشرح. فالإخلاء الجماعي لا يقاس فقط بمدى نجاعته التقنية، بل أيضاً بقدرته على بناء الثقة وطمأنة الرأي العام. ما وقع في القصر الكبير و يقع في مناطق أخرى بمنطقة الغرب كشف خللا تواصليا خطيرا: غياب حملة دقيقة وشفافة تشرح طبيعة الخطر، أسبابه، مداه الزمني، وحدود المسؤولية فيه. والحاصل : ارتباك، إشاعات، خوف، وتأويلات مفتوحة على كل الاحتمالات.
التجارب الدولية في تدبير الطوارئ تجمع على أن التواصل هو خط الدفاع الأول. أي خطة إخلاء جادة تقوم على إنذار مبكر ومتعدد القنوات، و خطاب موحد يجيب عن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: ماذا يحدث؟ لماذا الآن؟ إلى أين نذهب؟ ومتى نعود؟ دون هذه الأجوبة، يتحول الإخلاء من إجراء وقائي إلى صدمة اجتماعية.
ثم إن التواصل لا يبدأ لحظة الخطر فقط، بل قبل ذلك بزمن. التحسيس بالمخاطر، إشراك الساكنة في معرفة السيناريوهات المحتملة، تنظيم تمارين افتراضية، وتوضيح مسارات الإخلاء ونقط التجمع… كلها عناصر تجعل المواطن شريكا لا مجرد موضوع للقرار. أما أثناء الإخلاء، فالمعلومة الآنية، الدقيقة، والمتجددة، تصبح مسألة حياة أو فوضى.
ما حدث في القصر الكبير يجب أن يقرأ كإنذار سياسي وإداري: لا يمكن تدبير الأزمات بعقلية السلطة الابوية و الاكتفاء بمنطق “نفذوا ثم سنشرح لاحقا”. فالدولة المواطنة ليست تلك التي تفرض القرار بدعوى حماية المواطن، بل التي تملك الجرأة على شرحه، وتتحمل مسؤولية مخاطبة مواطنيها كراشدين. إخلاء مدينة قد يكون ضرورة، لكن إخلاء المعلومة من الفضاء العمومي هو الخطر الحقيقي.


سؤال بسيط في ظاهره ومربك في عمقه: لماذا لا تقدم المعلومة الصحيحة للمواطن في لحظات الأزمات؟ ما يبدو ضعفا في التواصل من قبل السلطة ، يبدو اليوم ، مع تكرار الوقائع أنه أقرب إلى استراتيجية وضعت بإحكام، لا إلى خلل عابر في التدبير. فالمعلومة ليست مجرد معطى محايد، بل قوة سياسية وقانونية، والتحكم فيها يعني التحكم في تبعاتها.
حين يحجب المعطى الدقيق حول ما حدث فعلا، تصادر الأسئلة التالية: من المسؤول؟ من قصر؟ ومن يجب أن يحاسب؟
إعلان الحقيقة الكاملة تفتح بالضرورة نقاش المسؤولية، والمسؤولية تجر خلفها إمكان المساءلة، سواء أمام القضاء أو داخل الحقل السياسي. لذلك يستعمل الغموض كأداة وقاية للسلطة، لا من الخطر، بل من المحاسبة.
استراتيجية تحويل المواطن من صاحب حق في المعرفة إلى متلق لرسائل متناقضة . بلاغات عامة، لغة تقنية فضفاضة، وإحالات دائمة على “التحقيقات الجارية” أو “الظروف الاستثنائية”، دون تحديد دقيق للوقائع.
والسؤال الأساسي هنا ليس لماذا يغيب الخبر بل من يستفيذ من هذا الغياب ؟
إن الامتناع عن تقديم المعلومة كاملة ليست مسألة تواصل فقط، بل اختيار سياسي يحدد شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *