نقاشات حول اليسار بين الرفيقين احمد قاعودي و ابراهيم حمي
في تفاعل مع تدوينة المناضل إبراهيم حمي حول اليسار .الرفيق احمد قعودي
بدا لي انه اعتمد على تحليل ليبرالي لمفهوم اليسار المغربي حيث ذكر من خلال ممارسته الحزبية وصوله إلى قناعة مفادها ،التخلي عما يسميه الكثير بالخطاب الايديولوجي وتبني البراغماتية ، والقول ان الفئات المستهدفة باتت لا تقبل الخطاب الايديولوجي تقدير حسب وجهة نظري فيه نظر، كما ان الاستدلال أولا بنموذج حزب "التجمع الوطني الأحرار" لا يستقيم -لأن حزب احمد عصمان صناعة في المطبخ المخزني - اعتباره ناجح ولوبخطابه في دغدغة مشاعر ناخبيه ؛والحصول على عدد كبير من المقاعد تعمد الأخ حمي القفز عن استثمار معظم الاحزاب للمال بشراء الذمم وهذا شيء معروف لا ينكره احد ، ثانيا اعتمد الكاتب في تقديره للمشهد اليساري على نفور جيل الشباب من الخطاب السياسي وانكفاء هذا الجيل بالصور والتدوينات الموجزة بدل الخطاب السياسي القديم المعتمد على البرامج في التعبئة والتحشيد ؛وقد نجح اي الشباب حسب تعبير المدون في اسلوب النفير لكن يذكر لنا كاتب التدوينة ما هي الاهداف العملية التي انجزها الحراك ( كجيل Z212....والحركات الجهوية والفئوية التي تظهر هنا وهناك تنتهي إما بالقمع في مهدها او باحتواء قادتها ورموزها ) وتبقى الدولة ومؤسساتها هي هي وقد ازدادت بسياستها وتغولها الفوارق الاجتماعية وعم الفساد والاستبداد في غياب احزاب اليسار الحقيقية التي تقود المعارك وتخطط لها ما لم يقله الكاتب هو غياب احزاب اليسار المغربي عن التاطير وعن المعارك الاجتماعية منذ اندماج اهم مكوناته في منظومة المخزن منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي ولهذا حين نتحدث عن اليسار ؛ فان المنهجية تقتضي تحديده في يسار معارض برلماني (التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي بنسختهما الجديدة حتى توجههما ال"سوسيال ديمقراطي "تركاه خلفهما والتحقت بهما منذ ثلاث سنوات فيدرالية اليسار الديمقراطي ) اما اليسار الماركسي والذي لا زال متمسكا بمرجعيته هذه المرجعية كما هو معروف لمن تبنى المادية التاريخية والمادية الجدلية تقبل التجديد العلمي في الأسلوب ومن مهام هذا اليسار التجديدية توظيف الرقمنة وربط النظرية بالممارسة وتحديد المعارك وسقفها(النموذج الأسباني وحزب فرنسا غير الخاضعة وبعض النماذج في إمريكا اللاتينية ونضيف إليها الصين وفضل الحزب الشيوعي في جعل البلاد في المرتبة الثانية اقتصاديا وعسكريا .. بعد الامبريالية الإمريكية التخطيط والتوجيه والتنفيذ) حين قلت اليسار الماركسي اعتمدت على تمسكه بالسلاح النظري للطبقة العاملة وحلفائها الطبيعيين لانه تبنى وتمثل هذه الاستراتيجية خلاف الذي ارتدوا لباس اليسار وتبنوا التجريبية والواقعية الليبرالية في نسختها المشوهة الإشتراكية العلمية لا بديل عنها في الوقت الحالي و هي تحدد البرامج والأهداف وتقبل بالانتخابات كتكتيك وليس كغاية في نظام يحدد سلفا الخريطة السياسية البرلمانية ؛ فاليسار في اعتقادي من ينزل إلى الشارع ببرامجه مؤطرا ومخططا وطارحا البدائل يسار لا يبقى حبيس قبة البرلمان في صيغته الحالية التي لا تشرع ولا ينبثق عنه اي حكومة بدورها لا تحكم يسار يجدد مطلب الدستور الديمقراطي الذي يفصل بين السلطات الثلاث ويحدد شكل ومضمون الدولة المغربية .
ابراهيم حمي
ردّ على التفاعل مع تدوينتي حول اليسار ... اولاً
أشكرك عزيزي احمد على التفاعل الجاد مع ما كتبته، وأعتبر النقاش حول سؤال اليسار اليوم ضرورة فكرية وسياسية. ثانياً، لم يكن قصدي تبني تحليل ليبرالي لليسار المغربي، ولا الدعوة إلى التخلي عن المرجعية الفكرية، بل دعوت إلى مراجعة أساليب الخطاب وأدوات الاشتغال. وهناك فرق بين التخلي عن الإيديولوجيا وبين تطوير لغة إيصالها. إلى الفئات الاجتماعية، خصوصاً الشباب، الذي لم يعد يتفاعل مع نفس القوالب التعبيرية القديمة، وهذا معطى سوسيولوجي لا حكم قيمي. ثالثاً، حين أشرت إلى تجربة بعض الأحزاب كـ التجمع الوطني للأحرار، لم يكن ذلك تزكية لمسارها أو لطبيعة نشأتها، بل توصيفاً لقدرتها على استثمار أدوات تواصل حديثة والوصول إلى فئات واسعة. النجاح الانتخابي قد تحيط به عوامل متعددة، منها المال والنفوذ، وهذا واقع لا أنكره، لكن تجاهل أدوات التأثير الجديدة لا يخدم أي مشروع يساري بديل.
رابعاً، بخصوص الشباب والحراكات، لم أقل إن أشكالهم النضالية حققت اختراقاً بنيوياً، بل أشرت إلى تحول في أساليب التعبير والتنظيم. السؤال الذي طرحته هو: لماذا لم تستطع قوى اليسار مواكبة هذا التحول وتأطيره بدل الاكتفاء بانتظاره؟ الأزمة ليست فقط في الشباب، بل أيضاً في البنية التنظيمية الكلاسيكية التي لم تُحدّث أدواتها. خامساً، أتفق أن جزءًا مهماً من اليسار فقد موقعه النقدي بعد اندماجه في منطق التدبير المؤسساتي، وأدى ذلك إلى تراجع دوره التأطيري. لكن في المقابل، اليسار الذي يكتفي بالشعار دون تجديد في الوسائل ولا قراءة دقيقة لموازين القوى، يبقى بدوره معزولًا. أما بخصوص اليسار الماركسي، فالنقاش الحقيقي ليس حول المرجعية النظرية، بل حول القدرة على تحويلها إلى برامج واقعية قابلة للتراكم داخل الشروط الموضوعية القائمة. التجارب الدولية التي ذُكرت تختلف في سياقاتها التاريخية والسياسية، ولا يمكن إسقاطها ميكانيكيًا على الحالة المغربية. أؤمن أن:
الاشتباك مع الانتخابات لا يعني تقديسها. النزول إلى الشارع لا يعني إهمال العمل المؤسساتي.
الحفاظ على البوصلة الفكرية لا يتناقض مع البراغماتية التكتيكية.
اليسار الذي أطمح إليه هو يسار يجمع بين وضوح الرؤية ومرونة الوسائل، بين التأطير الميداني والاشتغال الرقمي، بين النضال الاجتماعي وبناء البديل السياسي الممكن. النقاش مفتوح، وأعتبر هذا التفاعل مساهمة في إحيائه بدل اعتباره خلافاً شخصياً.
في كل الأحوال تحياتي وخالص محبتي على تفاعلك الجاد وغيرتك .. فقط اعيد قرأة المنشور ولا تكتفي بالانطباع الاول ولنا عودة للحوار الجاد طبعاً.
المقال الذي تم الرد عليه:
مجرد رأي قابل للنقاش.
اليسار المغربي .. بين ذاكرة المجد وإرهاق اللحظة...
ليس السؤال اليوم هل خسر اليسار المغربي الانتخابات، أم قام المخزن بإبعاده عن تدبير الشأن العام. فالهزيمة الانتخابية عارض عابر فقط، في مسار أي تيار سياسي. لكن السؤال الحقيقي: هل خسر اليسار قدرته على تمثّل اللحظة التاريخية ولم يفهم تحولات المجتمع؟ ..
منذ عقود، شكّل اليسار المغربي قوة اقتراحية وأخلاقية داخل الحقل السياسي. ارتبط اسمه بالنضال الديمقراطي، بالدفاع عن العدالة الاجتماعية، وبصياغة خطاب حداثي نقدي في مواجهة السلطوية المخزنية والمحافظين. غير أن الزمن لا يرحم من يتجمد. المجتمع تغير، البنية الاقتصادية تبدّلت، والتمثلات الثقافية تحولت بسرعة تفوق إيقاع الأحزاب.
اليوم يبدو اليسار وكأنه يعيش مفارقة قاسية: يرفع نفس الشعارات الكبرى، لكنه يخاطب مجتمعاً لم يعد يستقبلها بنفس الحساسية. الطبقة الوسطى أعادت تعريف أولوياتها، الفئات الشعبية تبحث عن حلول ملموسة لا عن بيانات إيديولوجية، والشباب يعيش في فضاء رقمي يختصر السياسة في صور وشعارات خاطفة. هنا يتم إكتشاف العطب: خطاب تقليدي في زمن السيولة.
أزمة اليسار ليست في خصومه، بل في صورته عن نفسه. فهو لا يزال يتعامل مع ذاته كضمير أخلاقي معارض، بينما الواقع يطالبه بأن يكون قوة اقتراح عملية، قادرة على إنتاج بدائل اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ. لكن بين المثالية الثورية وبراغماتية التدبير، ظل معلقاً في منطقة رمادية أفقدته الثقة والامتداد الشعبي. ثم هناك معضلة أكبر تنجلي في التنظيم: هناك انقسامات متكررة بلا عدد، صراعات زعامات، وتكتلات ظرفية لا ترقى إلى مشروع تاريخي جامع. التجارب الوحدوية، كما في تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي، أظهرت أن الرغبة في التجميع حتى ولو كانت موجودة، فلن تحل مشكلة اليسار. لأن الإرادة الاستراتيجية العميقة ما تزال هشة أمام الحسابات الضيقة.
في المقابل، يملأ المشهد فاعلون جدد بخطاب بسيط ومباشر، كما يفعل التجمع الوطني للأحرار، الذي فهم أن السياسة المعاصرة تُدار بلغة القرب والوعود القابلة للتسويق ولو في الخطاب فقط، لا بلغة التحليل البنيوي المعقد. هنا لا يتعلق الأمر بمدح أو قدح، بل بتشخيص اختلاف المنهج.
فهل يستطيع اليسار أن يستيقظ؟ ..الاستيقاظ هنا لا يعني التخلي عن القيم، بل إعادة ترجمتها. لا يعني التنكر للهوية، بل تجديد أدواتها. ولا يعني الذوبان في السلطة، بل إعادة تعريف معنى المعارضة. أفق اليسار المغربي يمر عبر ثلاث مراجعات كبرى: مراجعة فكرية: الانتقال من خطاب إيديولوجي مغلق إلى تفكير اجتماعي منفتح، يعيد قراءة التحولات الاقتصادية والثقافية بجرأة.
مراجعة تنظيمية: تجاوز الشخصنة نحو مؤسسات حزبية ديمقراطية فعلاً، لا شعاراً. مراجعة تواصلية: فهم لغة الجيل الجديد، والانتقال من نخبوية الصالونات إلى نبض الشارع والفضاء الرقمي. إن لم يفعل ذلك، سيبقى اليسار مجرد ذاكرة جميلة تُستحضر في الندوات، لا قوة حية تؤثر في موازين القرار. أما إن تجرأ على نقد ذاته بعمق، فقد يعود كقوة توازن ضرورية في مشهد سياسي يحتاج إلى تعددية حقيقية، لا إلى فراغ تتناوب فيه نفس الأصوات. اليسار المغربي أمام مفترق طرق: إما أن يظل حارساً لماضٍ مجيد، أو أن يصبح صانعاً لأفق جديد.
والتاريخ لا ينتظر المترددين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق