هل الجريدة المركزية أداة الفعل السياسي الوحيدة؟الرفيق محمد السفريوي ورد للرفيق سعيد قروي
هل الجريدة المركزية أداة الفعل السياسي الوحيدة؟الرفيق محمد السفريوي
لا يصنع الفاعلون السياسيون التاريخ بإرادتهم فقط، بل يصنعونه بالأدوات المتاحة في زمنهم. فلكل مرحلة تاريخية أداة خاصة للفعل السياسي، الأداة لا تصنع السياسة فحسب، بل تعيد تشكيل طبيعتها وإمكاناتها. إن تطور وسائل الاتصال لم يكن مجرد تطور تقني، بل كان في جوهره تحولات في طبيعة السلطة التي تسعى الأداة السياسية إلى الإستولاء عليها.
مع الطباعة، ولدت السياسة الحديثة. لم تعد السلطة محصورة داخل القصور، بل خرجت إلى الشارع عبر المنشورات والجرائد. و نشأ "المجال العام" كفضاء للنقاش الحر، حيث أصبح الرأي العام قوة سياسية مادية. لقد كانت الطباعة أداة الفعل السياسي البرجوازي الصاعد، الأداة التي حولت الرعايا إلى مواطنين.
في مطلع القرن العشرين، أدرك فلاديمير لينين أن الثورة تحتاج أداتها الخاصة. لم ير في الجريدة مجرد وسيلة إعلام، بل "منظما جماعيا". كانت الجريدة المركزية خيطاً يربط المناضلين، ويوحد الوعي، ويحول الفكرة إلى تنظيم. هكذا أصبحت الجريدة أداة الفعل السياسي الثوري و صانعة حزبه.
مع الراديو، دخلت السياسة طور السيطرة على الوعي الجماعي عبر الصوت. و تكيف الحزب الراديو مع هاته الأداة العاطفية، و أصبح حزب القائد الخطيب المفوه .و لم يعد المواطن قارئا يفكر، بل مستمعا يتلقى. كان الراديو أداة الفعل السياسي السلطوي، الذي يختصر المسافة بين السلطة والجماهير، ويلغي الوسائط النقدية.
في إيران 1979، ظهرت مفارقة تاريخية: أداة بسيطة تهزم جهاز دولة معقدا. أشرطة الكاسيت، فأصبحت "الوسائط الصغيرة" ذات أثر كبير. لقد كانت أداة الفعل السياسي الشعبي، لأنها انتشرت خارج سيطرة الدولة، وأعادت توزيع القدرة على التأثير.
اليوم، مع الشبكات الرقمية، نعيش تحولا أعمق. فالسلطة أصبحت تمارس داخل "شبكات"، لا داخل مؤسسات فقط. صار كل فرد نقطة محتملة للفعل السياسي.
إن الدرس الجوهري هنا واضح: السياسة لا توجد خارج أدواتها. الطباعة صنعت تيارات اجتماعية ، والجريدة صنعت الحزب الطليعي المركزي، والراديو صنع الجماهير المنقادة ، والوسائط الرقمية تصنع فاعلا سياسيا جديدا و إن لم تتحدد ملامحه بعد. فالسؤال الحقيقي لأي مشروع سياسي ليس التشبت بالأداة التي نحب ، بل كيف نعيد توظيف الأدوات الموجودة حاليا....
Said Karaoui
مع استسماحي، أرى في هذا التصور نوعا من الحتمية التقنية التي تختزل السياسة في أداتها، وكأن تطور الوسيلة يعني بالضرورة تجاوز ما قبلها. إنها نظرة أحادية للأدوات السياسية تختزل تعقيد الواقع في مسار تقني خطي.
نعم، لكل مرحلة أدواتها، لكن هل يعني ذلك أن الأدوات النضالية التاريخية تصبح بلا قيمة لمجرد ظهور غيرها ؟
السياسة، قبل كل شيء، صراع مصالح طبقية ورهانات اجتماعية، والأداة تظل وسيلة ضمن هذا الصراع لا قدرا قائما بذاته.
في زمن لينين، لم تكن الجريدة “موضة تقنية”، بل اختيارا سياسيا واعيا لبناء تنظيم موحد وسط القمع والتشتت.
لم تكن مجرد ورق مطبوع، بل فضاءا لتوحيد الخط، وتكوين المناضلين، وربط النظرية بالممارسة. وهذه الوظائف لم تنتف مع دخول عصر الرقمنة، بل ازدادت أهمية في زمن السرعة والسطحية الرقمية، حيث تحتفظ الجريدة بقدرتها على التعليق والتحليل الرصين الذي تفتقده كثير من المنصات.
أما الحديث عن “الفاعل الشبكي الجديد” فيغفل سؤالا جوهريا :
من يملك المنصات الرقمية ؟
ومن يتحكم في خوارزمياتها ؟
هل هي فضاء حر فعلا، أم مجال خاضع لاحتكارات رأسمالية عابرة للقارات ؟
الرهان الحصري على الوسائط الرقمية دون امتلاك أدوات تنظيم مستقلة هو رهان على أرض يملكها الخصم الطبقي، أي رهان على سراب.
لسنا ضد عصر الرقمنة، بل نعمل على توظيفه بوعي يخدم مشروعنا ولا يذيبنا في منطق المنصات.
ثم إن الجريدة ليست الأداة الوحيدة، ولم يقل أحد بذلك، لكنها تظل أداة ضرورية ضمن أدوات متعددة :
ورقية ورقمية وميدانية.
قيمة الجريدة ليست في شكلها، بل في كونها صوتا منظما يعبر عن خط سياسي واضح، ويخضع الموقف للنقاش الجماعي بدل الانجرار وراء سرعة “الهاشتاغ” وتقلب المزاج الشبكي. فالنقد الحقيقي لا يكمن في استبدال أداة بأخرى، بل في معرفة كيف تتكامل الأدوات لخدمة الهدف الاستراتيجي.
المطلوب اليوم ليس دفن الجريدة بدعوى الحداثة، بل تطويرها، وتوسيع انتشارها رقميا، وربطها أكثر بالنضالات الميدانية، لأنها تظل عنصرا أساسيا في بناء التنظيم وتعميق الوعي، إلى جانب المنصات الرقمية والأنشطة الميدانية.
المشروع السياسي الرشيد هو الذي يوظف كل الأدوات المتاحة، لا الذي يلغي بعضها بدعوى حداثتها. فالتنظيم لا يختزل في منصة، والوعي لا يختزل في خوارزمية. ومن يظن أن تغيير الأداة وحده يصنع الفاعل السياسي ينسى أن التاريخ تصنعه قوى اجتماعية منظمة، لا تطبيقات عابرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق