حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي *الرفيق أحمد بنجلون
حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي اتخذ هذا الاسم في 6 أكتوبر 1991، ليس حزبا جديدا تأسس في ذلك التاريخ. إنه فعلا وتاريخيا، استمرار لحركة التحرير الشعبية وللحركة الاتحادية الأصيلة (الاتحاد الوطني ثم الاشتراكي للقوات الشعبية). نضع بين أيدي القارئ مجموعة من الأدبيات الحزبية مرتبة حسب تسلسل الأحداث الحزبية نفسها، منذ المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 الذي تبنى الاشتراكية العلمية كأداة للتحليل وكهدف، والمؤتمر الوطني الثالث (دجنبر 1978) الذي أدان المسلسل الانتخابي ووصفه ب"الديمقراطية المزيفة في ابشع صورها وأقبح مظاهرها" إلى آخر بيان للحزب حول مقاطعة الانتخابات التشريعية في 25 يونيو 1993. وثائق هذا الكتاب تبرز صيرورة الصراع الذي عرفه الاتحاد الاشتراكي على المستويات الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية، وقد خاضت اللجنة الإدارية الوطنية والقواعد ذلك الصراع مسلحة بشرعية المقررات الحزبية المذهبية والسياسية (المقرر الإيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي والبيان السياسي العام للمؤتمر الوطني الثالث). في حين كان ما يسمى ب"المكتب السياسي" آنذاك يخوض عملية انشقاقية من الأعلى لفرض توجهاته المناقضة لتلك المقررات التي أكدتها اللجنة المركزية في مايو 1979، وقد نهج خطا انتخابيا وانتهازيا يتناقض ويتنافر مع الخط النضالي الديمقراطي للحزب. والموضوع، خلافا لما كان يدعيه أقطاب الخط الانتخابي، لم يكن ينحصر في مجرد اختلاف في وجهات النظر حول "المسلسل الديمقراطي" والانتخابات، بل إنه كان أكبر وأخطر من ذلك لأنه كان يهم اختيارات الحزب الإيديولوجية نفسها ومبادئه الأساسية وخطه النضالي الديمقراطي في شموليته، وهويته ومصيره ومستقبله كأداة نضالية في يد الجماهير الكادحة. والكراسة المعروفة ب"نشرة إقليم الرباط" (1982) والمدرجة ضمن مواد هذا الكتاب، كشفت الطبيعة الطبقية والإيديولوجية والسياسية للممارسة الانتخابية التي كان يمارسها اليمين الانتهازي في الاتحاد الاشتراكي على الساحة السياسية والجماهيرية، وقد نبهت كافة الاتحاديين إلى الخطر الذي كان يحدق بالحزب وإلى محاولات إفراغ هذا الأخير من أي محتوى مبدئي ونضالي وجماهيري وتجريده من رصيده التاريخي العظيم وتحويله إلى وكالة انتخابية موسمية تعمل لصالح بعض الأطر والتقنوقراطيين وتزكي مناورات الطبقة الحاكمة الهادفة إلى إحكام قبضتها على السلطة وتهميش الشعب من أي مركز من مراكز القرار أو المراقبة. بل أكثر من ذلك، فإن تلك النشرة التي أصدرتها اللجنة الإدارية الوطنية باسم إقليم الرباط لأسباب عملية، قد نبهت إلى أن الحزب كان مستهدفا بواسطة مؤامرة من داخل بل ومن "القيادة نفسها. وكان ذلك التحليل صائبا، لأنه سرعان ما انكشفت المؤامرة عندما أعلن عن إجراء الانتخابات الجماعية في يونيو 1983. ففي 8 ماي 1983، توضحت العمالة الطبقية بل العمالة المباشرة والوضيعة لأقطاب اليمين الانتهازي في "المكتب السياسي" السابق، الذين دبروا مع الحكم تلك المؤامرة، وعملوا على الزج بعشرات المناضلين والقادة الحزبيين في السجون وعلى "حل التناقضات" أو الخلافات الحزبية الداخلية، بواسطة أطراف ثالثة وهي أجهزة السلطة الرجعية والقمعية ذاتها، الشيء الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الحركة الوطنية والتقدمية رغم الانشقاقات والتناحرات التي مزقت صفوفها. وقد سبقت مؤامرة أخرى في أكتوبر 1982، ذهب ضحيتها عدد كبير من أطر ومناضلي الحزب بإقليم بني ملال، مهدت لمؤامرة 8 ماي 1983 على الصعيد الوطني. وسيجد القارئ تفاصيل تلك الأحداث عبر عدة مقالات ودراسات سبق نشرها على أعمدة صحافة الحزب ("المسار" و"الطريق")، وسيقف على مغزاها وخلفياتها. وسيتجلى له كذلك من خلال هذه الأدبيات جميعها أن اللجنة الإدارية الوطنية والقواعد الحزبية لم تفعل منذ 1979، سوى التشبث بإيديولوجية الحزب الثورية وبخطه النضالي الديمقراطي، وقد واجهت في سبيل ذلك مؤامرة داخلية وانشقاقية مدبرة ومنسقة مع أجهزة السلطة. ولكن ذلك لم يمنع الحزب بعد الحسم مع قيادة اليمين الانتهازي في 8 ماي 1983، من تعميق اختياراته المذهبية وتطوير مواقفه السياسية. وقد تأكدت صحة تلك المواقف وسلامتها، خاصة فيما يتعلق بمسلسل الديمقراطية المزيفة، التي كانت من بين المحاور الأساسية للصراع بين الخط النضالي الديمقراطي والخط الانتخابي الانتهازي داخل الحزب. ومن خلال كل الأدبيات والتقارير والبيانات الحزبية اللاحقة ل 8 ماي 1983، سيقيم القارئ بنفسه مدى سلامة تلك المواقف وصحتها. إن المآل الذي إليه قيادة اليمين الانتهازي لم يعد يهمنا بعد أن تم فصلها من صفوف الحزب من طرف اللجنة المركزية الشرعية في 8 ماي 1983. ولم أن تلك القيادة استمرت في استعمال اسم "الاتحاد الاشتراكي" كلافته تجارية بعد أن أفرغته من محتواه الإيديولوجي والسياسي والتنظيمي والنضالي. ولكن ذلك لا يمنع – بل نعتقد أنه من المفيد والضروري – التذكير بالمسار الذي سار عليه حزب القوات الشعبية طيلة عقدين من الزمن، وبالمؤامرة التي استهدفته والتي أكد بيان اللجنة المركزية في 8 ماي، على أنها تحطمت على صخرة صمود المناضلين واستماتتهم رغم التضحيات الجسام التي تكبدوها ولا زالوا، كما أنهزم مدبروها دعاة الخط الانتخابي اليميني الذين ارتموا بصفة واضحة في خندق الطبقات السائدة، أمام صلابة الخط النضالي الديمقراطي لحزبنا وصحته التي ما فتئت تتأكد يوما بعد يوم خلال الأعوام العشرة الأخيرة. وأحسن دليل على ذلك، هو أن حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي تمكن من ضمان استمرارية الحركة الاتحادية المناضلة والأصيلة على الساحة الجماهيرية، وتمكن من إعادة هياكله التنظيمية وصولا إلى عقد مؤتمره الوطني الرابع، رغم حملات القمع المتتالية ومحاولات التهميش وحملات التعتيم ومؤامرات الصمت التي تعرض لها من كل جانب. حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب المهدي بنبركة وعمر بنجلون ومحمد بنونة ومحمد كرينة وغيرهم من الشهداء البررة، برصيده النضالي والتاريخي العظيم وبمكوناته الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية، كان وسيظل حزبا من وإلى الجماهير، صامدا على طريق الكفاح للدفاع عن وطننا وحقوق شعبنا وتطلعات جماهيرنا الكادحة إلى بناء مجتمع متحرر وديمقراطي واشتراكي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق