جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

جاكوب كوهين: حارس "السايانيم" الذي عبر من بوابة الساتيام *عبد الرحيم التوراني

 جاكوب كوهين: حارس "السايانيم" الذي عبر من بوابة الساتيام

عبد الرحيم التوراني
(...) لم تكن الساتيام مجرد مقهى لمحطة حافلات، ولا مجرد مقهى يرتاده العابرون... يمكن لي القول أنها كانت بامتياز بورصة للأفكار في الدار البيضاء. حتى بعد أن غادرت كلية الحقوق أروقة عمارة الساتيام متجهة نحو طريق الجديدة، ظلت المقهى مغناطيسا يجذب بعض نخب المدينة.. الأساتذة الذين لم يبرحوا المكان والطلاب الذين وجدوا في دخان السجائر ونقاشات الرواد امتدادا لمدرجات الجامعة.
كان المساء في ذلك الزمن لا يشبه غيره عندما يرخي سدوله.. المساء كان موعد الزبائن المميزين حيث يتحوّل مقهى الساتيام إلى مسرحٍ لصفوة الرعيل.. هؤلاء الذين لا يكتمل المشهد إلا بوطء أقدامهم... هناك يتوقف الوقت ليفسح المجال لنقاشات المثقفين ودخول الرفاق في طقس يومي تتداخل فيه روائح القهوة والجعة مع كؤوس النبيذ بعبق الأفكار التي كانت تعيد تشكيل العالم.
أتذكر بوضوحٍ كيف كان الأستاذ ميمون حبريش يدخل المكان فارِضا بهيبته ورصانته المعهودة كأحد أبرز أقلام النسخة الفرنسية من جريدة "البيان" الشيوعية...
يليه المحامي عبد الحق العلمي.. ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد محام بل كان صانعا للكفاءات.. فمن بين جدران مكتبه تخرّجت قامات وهامات، كان في طليعتهم الشهيد عمر بنجلون الذي تدرب على المحاماة في مكتبه...
كان المكان يضج أيضا بوجوه من المسرح والتشكيل، مثل الممثل حسن الصقلي والمخرج محمد الطوجني الذي توفي في عز شبابه، والتشكيليون مصطفى حفيظ وعبد الكريم الغطاس وعبد الحي الملاخ بحكم قرب سكن هؤلاء الفنانين من المقهى...
***
كلية الحقوق بالدار البيضاء، خلال ذلك العهد كانت مجرد ملحقة بجامعة محمد الخامس في الرباط.. أقسامها كانت تقع مباشرة فوق مقهى الساتيام.. وخلال السبعينيات والثمانينيات كما هو معلوم كان المغرب يعيش غليانا سياسيا بامتياز، وكان الأستاذ بالكلية جاكوب كوهين في قلب هذا المشهد..
كان هناك زبائن طلاب وأساتذة من شعبة العلوم السياسية، خاصة من القسم الفرنسي جعلوا من المقهى ملاذهم.. أتذكر منهم محمد الطوزي وعبد اللطيف أكنوش وعبد المجيد الحناوي الذي كان يرى العالم بعين الفن التشكيلي قبل أن يغادرنا...
***
بينما كان جواد مديديش يتأمل صورة "بوفيه الساتيام" التي نشرتها على صفحتي، استحال الحنين لديه حكاية.. فالصورة لم تكن مجرد بوفيه، بل كانت توثيقا لسنواته الجامعية.. ولعلاقة عائلة اللاعب الأسطورة مصطفى "بيتشو" بالمكان الذي سيره أخوه الأصغر رشيد بإشراف من والده إدريس شكري واحد من الأطر النقابية للاتحاد المغربي للشغل..
لم يكن الحنين لدى صديقي جواد مديدش مجرد استرجاعٍ لصور مبهجة، بل كان استحضارا لندوب التاريخ في ذاكرته.. إذ استدعت ذكريات الساتيام قسوة الاعتقال عام 1974، حيث ضريبة الانتماء لمنظمة "إلى الأمام" الماركسية السرية. عشرون عاما وأكثر كان نصيبه من الحكم، قضى منها 14 عاما في غياهب السجون... ذاك الجرح الذي روى تفاصيله في كتابه "درب مولاي الشريف.. أو الغرفة السوداء"، الذي قرّبه المترجم عبد الرحيم حزل للقارئ العربي، ثم استلهم منه المخرج حسن بنجلون سيناريو لعمل سينمائي يوثق تلك المعاناة الإنسانية...
***
من بين تلك الوجوه يبرز الأستاذ جاكوب كوهين.. المتحدر من عائلة من يهود المغرب ...
برز كأستاذ مساعد بكلية الحقوق ما بين عامي 1978 و1987.. كان يدرّس نظريات العلاقات الدولية ممررا عبرها نقدا لاذعا للهيمنة الغربية ودعما مبدئيا للقضية الفلسطينية...
يحكي عنه طلبته الأوفياء أنه لم يكن مؤدلجا بضيق بل محاربا للاستلاب الفكري، لذلك اجتذبت دروسه في مقارنة الأنظمة السياسية ومناهج البحث العلمي حتى طلاب الأقسام الأخرى، مانحا إياهم متنفسا لمناقشة الديمقراطية والسلطة بصرامة أكاديمية.
لم يعش كوهين في برج عاجي.. كان قريبا من طلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، متاحا للحوار خارج البروتوكول في الساتيام... رآه الطلبة نموذجا شجاعا للمثقف اليهودي المغربي المناهض للصهيونية... موقف حظي باحترام التيارات الراديكالية...
لكن سقفا إداريا غير خفيّ أبقاه في درجة أستاذ مساعد مما دفعه للرحيل نحو باريس، حيث أصدر روايات هزت الأوساط مثل "ربيع السايانيم"...
عندما تواصلت مع صديقي التاريخي سعيد زغلول وأتينا على ذكر جاكوب كوهين، قال عنه زغلول بصدق: "لم أصادف قط ناقدا للصهيونية بضراوة وعمق جاكوب كوهين"... يضيف زغلول: جاكوب مثقف يهودي مغربي يجاهر بمناهضة الصهيونية في وقت كان الصمت فيه سيد الموقف... كان يمرر بين السطور روحا متمردة تضع القضية الفلسطينية في صلب النضال الإنساني.
أحيانا كان كوهين يستكمل نقاشات الساتيام في مسكنه بحي النخيل خلف المقر الرئيسي للبنك الشعبي، حيث تستمر السهرات الفكرية أحيانا إلى ساعات متأخرة...
وإلى اليوم لا يزال سعيد زغلول على تواصل مع أستاذه القديم، وقد صار زغلول من الأطر العليا بوزارة العدل الفرنسية، وشغل مؤخرا منصب مندوب الوزارة في جزيرة تاهيتي البعيدة بالمحيط الهادي.
(يتبع)
* الصورة: جاكوب كوهين وسعيد زغلول، وفي الخلفية مبنى الساتيام وأقسام كلية الحقوق القديمة بالدار البيضاء



هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *