جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عزيزي (س) إني أكتب من أجل إنتاج الفرح في داخلي، وإقناع نفسي بأني لست فاشلا في الحياة. يوسف الطاهري

 عزيزي (س) إني أكتب من أجل إنتاج الفرح في داخلي، وإقناع نفسي بأني لست فاشلا في الحياة.

يوسف الطاهري
عزيزي (س)
اعذرني إن لم أفي بوعدي بالاستمرار في كتابة رسائلي إليك، فأنا لا أجد الوقت لكتابة الرسائل، فهي آخر شيء أفكر فيه. وعندما أكتبها، فمعناه أني أعيش متحرقا بنيران آلام ملتهبة في صدري وأكابد من أجل نفضها منه، و قل إني من خلال الرسائل أريد تعرية صدري و تشريح ذاتي ولو إني واع كل الوعي أن ما أكتبه لا يصل إلى المرمى الذي أريد تماما كما يرى كافكا، أن الرسائل تخاطب الأشباح و بأن القبلات لا تصل إلى وجهتها لأن الأشباح تشربها في الطريق... ومعذرة العزيز (س) كذلك إن أزعجتك بيومياتي الحزينة، وأتمنى أن يتوسع خاطرك لتَحَمُّل ضعفي وأحيانا حماقاتي وأنت تقرأ رسائلي.
لقد تعبت كثيرا، فلا أدري متى سأفلح في الحصول على الحق في راحة مستدامة؟ ورغم أني أرى أن الآلام خاصية إنسانة طبيعية، من دونها لا تكتمل إنسانية الانسان، فإنه ومع مرور الزمن شعرت أني شبعت أوجاعا أحيانا غير لائقة بطبيعة أحلامي إلى حد لم يعد في إمكاني تحمل كل ما تحدثه في نفسي، خاصة تلك الناتجة عن الاحتقار و الإذلال في المهجر، والصادرة غالبا من بعض من لا يملكون أي تجربة مريرة تُذكر في حياتهم. فعندما أُشغل ذاكرتي و أقودها في جولة قصيرة حول ما جرى في حياتي، أشعر بأني عمرت في هذه الدنيا طويلا، ولا تكفيني الأيام للحديث عن تلك الأهوال التي لم تكف عن إحداث الرعب في يومياتي، حتى ولو مضى على حدوثها عقودا طويلة من الزمن. بينما آخرون يكفيهم قليلا من الوقت لسرد كل تفاصيل ما جرى في حياتهم الخالية من أي شجون أو هواجس مضنية، فوجدوا الحياة هينة منذ الولادة إلى أن عمروا في حياة مرت بسرعة. أما الأهوال التي عرفتها حياتي فكانت ولا تزال تثقل خطوات العمر وتجعلها عسيرة وبطيئة.
أما عن الكتابة فيبدو أني أكتب فقط من أجل البقاء، ومن أجل تهدئة مشاعر الألم التي ربضت في الصدر طويلا منذ شعرت أني أضعت حياتي في أشياء لا تعد من الأولويات في الحياة. فهي وحدها تجعلني أنصهر في ذاتي منقبا على الهدوء والسكينة حتى عندما أكتب الألم. اعرف أن الكثير من الاصدقاء سيعبرون عن اندهاشهم لهذا المنحى الذي يبدو غريبا، لكن هذه هي حقيقتي. لقد تركت كل شيء في هذه الحياة، أريد أن أعتكف بعيدا في خلوة صوفية تمنحني السكينة المطلوبة، لا أريد أن اتحدث للناس كما كنت في السابق منشغلا بما هم منشغلون به، لا أريد أن أعيد انتاج نفس السبب في ضياعي والذي ألخصه في التشبث بحلم مشترك مع آخرين، كانوا يبحثون عن أنفسهم، في وقت نسيت أن أهتم بنفسي و بأحلامي.
وكأني أكتب من أجل إنتاج الفرح في داخلي، وإقناع نفسي بأني لست فاشلا كما يظن البعض، أو يخال لي أنهم يظنون ذلك. وقد أدركت ذلك متأخرا، حين التقيت بأحدهم كان قد التحق متأخرا بقافلة الفعل السياسي والجمعوي، بعد أن أَمَّن وضعه وأوضاع أبنائه المهنية والعائلية، وحدثني وفي كلامه نميمة مبغضة ومستهجنة، عن أحد المناضلين الشرسين ضد نظام زمن الرصاص، والذي ضاعت حياته في الدروب الوعرة لساحات النضال من أجل بناء الوطن الحر والديمقراطي. واختار لذلك مسالك صعبة، كلفته السجن الطويل ومعاناة قاسية في المنفى والحرمان من الرزق، بعد أن فشلت الثوة المسلحة وتراجع عدد كبير من رفاقه. وكثير منهم من تولوا مناصب في جهاز الدولة، متخلين بذلك عن المبادئ التي شكلت المحور المشترك بينهم. وبعد أن انتهى كل شيء، وجد نفسه وحيدا معدما، ليس بحوزته أي مهنة منتجة للرزق، غير مهنة السياسة بطريقة مختلفة، والتي لم يكن يعتبرها يوما مدرة للربح. وظل معدما يعيش دون مأوى، متنقلا بين ملاجئ لا توفر الراحة النفسية لمناضل أتعبته مغامرات الفعل الثوري وحُلم بناء الوطن الحر والديمقراطي. وبدل تقديره ولو باعتراف جميل حول مساره الرائد، راح يشبعه أوصافا مذلة وبكثير من التصغير والاحتقار معتبرا إياه سببا في فشله في حياته الاجتماعية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *