قراءة مختصرة في التخلف كتشكيل طبقي تبعي : عمران حاضري
قراءة مختصرة في التخلف كتشكيل طبقي تبعي : عمران حاضري
* نحو أفق تحرري في المجتمعات العربية...!
ليس التخلف في المجتمعات العربية قدراً تاريخياً، بل هو نتاجٌ مباشر لبنية طبقية تبعية ، أعادت إنتاج ذاتها عبر التحالف العضوي بين قوى الهيمنة الداخلية والرأسمالية العالمية...
إن ما يبدو كعجز حضاري أو ثقافة هزيمة ليس إلا انعكاساً أيديولوجياً لعلاقات إنتاج مختلّة، تُبقي الأغلبية الاجتماعية في موقع التهميش و التفقير و التجهيل ، وتُكرّس امتيازات أقلية ريعية كمبرادورية مرتبطة عضوياً بمراكز الهيمنة الإمبريالية...!
لقد حافظت البنى التقليدية على حضورها لا كقوة مقاومة للحداثة فحسب ، بل كأداة لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية و هيمنة نمطها اجتماعيا ، حيث جرى توظيفها ضمن حداثة شكلانية هجينة باهتة ... هذه الحداثة المشوهة لم تُنتج تحولا نوعيا حداثيا في مناهج التعليم و لا عقلانية نقدية ولا تحرراً اجتماعياً،،، بل وفّرت غطاءً أيديولوجياً لاندماج تابع في السوق الرأسمالية العالمية. وهكذا، تماهت الفئات الكمبرادورية مع منطق التراكم الخارجي، مراكمة الثروات دون أن تمسّ البنية العميقة لعلاقات السيطرة، مما أدى إلى انسداد أفق التحول التاريخي...!
أما التشوه في علاقات الإنتاج، الذي تعمّق منذ الحقبة الاستعمارية المباشرة ، فقد أفرز نمطاً اقتصادياً تابعاً ومجزأً، تُوجَّه فيه القطاعات الإنتاجية لخدمة الخارج لا الداخل...
ومع سيطرة البنى التقليدية و غياب "ثورة ثقافية اجتماعية تعيد صياغة الوعي، تشكّل وعي زائف يُعيد إنتاج الخضوع و الاستسلام ، ويحوّل التبعية كأنها أمر محتوم... بهذا المعنى، فإن الأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل هي أزمة في الوعي ذاته، حيث يُعاد إنتاج ثقافة الهزيمة كقيمة، والعجز كقدر " لا مفر منه" ...!
إن التبعية هنا ليست مجرد علاقة خارجية، بل هي بنية داخلية متجذرة، تتجسد في أنماط الاقتصاد التبعي الريعي والخدمي، وفي غياب التكامل أو الاندماج بين الصناعة والزراعة، وفي ارتهان القرار السياسي لمصالح خارجية... وهي، بهذا المعنى، تعني استحالة تحقيق تنمية حقيقية أو سيادة وطنية، لأن التبعية لا تُنتج سوى إعادة إنتاج التخلف، بأشكال أكثر تشابكا و تعقيداً...!
في المقابل، تكشف التجربة الإيرانية الإقليمية أن هامش الاستقلال و فك الارتباط مع التبعية ولو تدريجياً ، يمكن أن يفتح أفقاً لبناء اقتصاد منتج وقاعدة علمية تكنولوجية و صناعية لافتة ، شرط توفر إرادة سياسية للتحرر من قيود التبعية... و هي الآن تواجه عدوانا عسكريا بكل تماسك و تخوض حرباً بالوكالة عن شعوب المنطقة و التصدي لما يسمى مشروع الشرق الأوسط الجديد بكل اقتدار و تجر خصومها إلى فخ الاستنزاف الاستراتيجي... غير أن هذه الإمكانات على أهميتها تظل منقوصة ما لم تُترجم إلى مشروع تحرري شامل، يتجاوز الإصلاحات نحو إعادة تشكيل البنية الطبقية ذاتها و ما لم تطور الشعوب العربية و نخبها التحررية الناهضة فعلها السياسي ، الإجتماعي ، الثقافي و التنظيمي ، في مناهضة المشروع ال.ص-ه-يو ام.ب.ريالي و وكلائه في المنطقة ...!
إن الأفق التحرري في المنطقة لا يمكن أن ينبثق من داخل البنى القائمة، بل يتطلب قطيعة تاريخية مع منطق الريع والتبعية... هذه القطيعة لا تتحقق إلا عبر فعل طبقي واعٍ، تقوده تحالفات اجتماعية جديدة من العمال، والفلاحين، والطبقات الوسطى المتضررة، مدعومة بنخب تقدمية تحررية قادرة على التنظم و إنتاج معرفة نقدية ومشروع سياسي بديل...
هذا المشروع، في جوهره، هو مشروع سيادة شاملة: سيادة اقتصادية قائمة على الإنتاج والتكامل القطاعي، وسيادة سياسية مستقلة عن مراكز الهيمنة، وسيادة ثقافية تُحرر الوعي من أطر الهزيمة والتبعية و العجز المزمن... وهو، في الآن ذاته، مشروع مقاومة، يناهض البنى التقليدية الملوثة للوعي العمومي و المشاريع العدوانية في المنطقة، ويرفض تحويلها إلى مجال مفتوح لإعادة إنتاج الهيمنة ال.ص-هيو إم.ب.ريالية...
إن الصراع في المنطقة ليس صراع دول فحسب، بل هو صراع مشاريع : مشروع تبعية يعيد إنتاج التخلف، ومشروع تحرري يسعى إلى تفكيك بنيته. وفي قلب هذا الصراع، تقف الشعوب بوصفها الفاعل التاريخي الحاسم... فحين يتحول الوعي من حالة الانكسار إلى أفق للفعل، ومن القبول و الاستسلام إلى المقاومة، يصبح التاريخ مفتوحاً على إمكانات جديدة واعدة...!
وعليه، فإن النهوض ليس حلماً طوباوياً، أو نزعة رومنسية بل إمكانية تاريخية مشروطة بالفعل الجماعي المنظم و الواعي... فالشعوب التي تُنتج وعيها التحرري، وتبني أدواتها التنظيمية، قادرة على كسر حلقة التبعية، وفتح أفق جديد تتأسس فيه التنمية على العدالة، والسيادة على الاستقلال، والتقدم على التحرر...!
عمران حاضري
28/3/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق