في مأزق الحرب: خيارات إدارة ترامب بين نصر زائف وانزلاق إلى المجهول*فؤاد الخمليشي
في مأزق الحرب: خيارات إدارة ترامب بين نصر زائف وانزلاق إلى المجهول*فؤاد الخمليشي
بعد أن رفعت إدارة ترامب سقف التهديدات إلى أقصى حد، ووضعت نفسها في موقع المواجهة المباشرة مع إيران عبر إنذارات محددة السقف الزمني، وجدت نفسها اليوم أمام معادلة صعبة تعكس عمق الورطة الاستراتيجية التي أوقعت نفسها فيها. فالمسار العسكري الذي راهنت عليه أثبت محدوديته، والتقديرات الاستخباراتية ال"إسرائيلية" التي اعتمدت عليها بدت مبالغًا في تفاؤلها بقدرة الضغط على إحداث انهيار سياسي في طهران، فيما تجاهلت تحذيرات مؤسساتها العسكرية والأمنية من أن إيران طورت قدراتها على امتصاص الضربات والرد غير المتماثل.
هذه المعادلة تضع الإدارة الأمريكية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، وكل منهما يحمل تكاليفه السياسية والاستراتيجية:
الخيار الأول: التراجع بصورة نصر زائف
وهو أن تعلن واشنطن عن تفاهمات غير ملموسة مع طهران عبر وسطاء، تُقدَّم للرأي العام على أنها إنجاز دبلوماسي حال دون اندلاع حرب إقليمية موسعة. هذا السيناريو يسمح للإدارة بالخروج من عنق الزجاجة الذي وضعت نفسها فيه، لكنه يعني اعترافًا غير مباشر بفشل استراتيجية الضغط الأقصى، وسيُقرأ في المنطقة والعالم كتراجع أمريكي تحت وطأة الحقائق الميدانية. كما أنه سيضع "إسرائيل" أمام أمر واقع قد لا ترضى به، خصوصًا إذا لم يتضمن ترتيبات أمنية على جبهة لبنان تلبي طموحاتها التكتيكية.
الخيار الثاني: الدخول في مواجهة مفتوحة
وهو خيار تنزلق إليه الإدارة إذا شعرت أن أي تراجع سيكلفها ثمنًا سياسيًا داخليًا أكبر من ثمن التصعيد، أو إذا ضغطت "إسرائيل" باتجاه توسيع دائرة العمليات العسكرية. لكن هذا الخيار لا يضمن نتائج استراتيجية حاسمة، إذ أن إيران أثبتت قدرتها على إدارة حرب طويلة الأمد بمستويات متعددة من التصعيد، كما أن أي مواجهة واسعة سترفع أسعار الطاقة عالميًا وستجر المنطقة إلى دوامة عنف لا يمكن احتواء تداعياتها. والأهم أن هذا الخيار لا يحظى بدعم داخلي أمريكي كافٍ، ولا بتوافق إقليمي واسع، خاصة بعد أن أظهرت التجارب السابقة أن الحلول العسكرية وحدها لم تغير من معادلات القوة في المنطقة.
ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا أن "النافذة الدبلوماسية" التي انفتحت مع بداية الأسبوع لم تأت نتيجة قناعة أمريكية بجدوى الحوار، بل جاءت كاعتراف غير مباشر بأن خيار الحرب أثبت محدوديته، وأن المهلة التي حددها ترامب انقضت دون أن تحقق الأهداف التي رُسمت لها. فالمحادثات التي يتحدث عنها البيت الأبيض – سواء كانت عبر وسطاء أم مجرد غطاء إعلامي – تكشف عن حالة من الارتباك في صناعة القرار الأمريكي، بين رغبة في عدم الظهور بمظهر المتراجع، وحاجة ماسة إلى تجنب الانزلاق إلى مستنقع لا يمكن التحكم في خسائره.
في هذا السياق، تبرز حقيقة مفادها أن الأيام القليلة المقبلة – وليس الأسابيع – هي التي ستحسم الاتجاه. فإما أن تشهد المنطقة تهدئة تُحترم، تُدار من خلال تفاهمات ضمنية تحفظ للجميع ماء الوجه وتوقف دوامة التصعيد مؤقتًا، وإما أن ندخل في مرحلة جديدة من التصعيد المتقطع الذي يبقي الجميع في حالة ترقب دائم، مع احتمالات انزلاق غير محسوبة في أي لحظة.
ما يبقى مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية، التي راهنت على خيار القوة المفرطة، باتت اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة أزمة من صنع سوء تقديراتها. واستمرار المحاولات لإيجاد مخرج يرضي الأطراف المعنية، أو الاكتفاء بالخروج بصورة نصر زائف، سيظل رهنًا بقرارات تتشكل في ساعات قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق