جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الحداثة بين السيادة والتبعية: قراءة نقدية في المفارقة العربية/الإيرانية من منظور تحرري ...عمران حاضري

 الحداثة بين السيادة والتبعية:

قراءة نقدية في المفارقة العربية/الإيرانية من منظور تحرري ...
تشيع في الخطاب الثقافي والسياسي العربي المعاصر نزعة اختزالية تُعرّف الحداثة أساساً من خلال بعدها الثقافي أو الأيديولوجي، أي من خلال ثنائية «العلماني/الديني» أو «المدني/اللاهوتي»... غير أن هذا الاختزال يخفي في العمق إشكالية أكثر جوهرية تتعلق بطبيعة البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة وموقعها داخل النظام الرأسمالي العالمي...!
فالحداثة، في معناها التاريخي المادي، ليست مجرد خطاب ثقافي أو ترتيب مؤسساتي ،،، بل هي قبل كل شيء قدرة تاريخية للمجتمع على إنتاج المعرفة والقوة المادية وبناء اقتصاد منتج مستقل نسبياً و الحرص على فك الارتباط مع التبعية و احترام الحريات و الإرادة الشعبية ...!
من هذا المنظور، يصبح من الضروري إعادة مساءلة السردية السائدة لدى بعض النخب العربية التي تباهي بحداثةٍ "مفترضة" لمجتمعاتها، في الوقت الذي تستمر فيه البنية الاقتصادية لتلك الدول في الارتهان لنمط اقتصاد ريعي تبعي، يعاني الهشاشة ، ضعيف الإنتاجية، محدود التصنيع بشكل لافت ، شديد الارتباط بمراكز الرأسمالية العالمية... ففي مثل هذه الحالات، تتحول الحداثة إلى واجهة ثقافية أو مؤسساتية شكلية ، لا تمسّ البنية العميقة للتبعية، بل تؤدي غالباً ، إلى إعادة إنتاجها بصيغة أو بأخرى...!
هنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة، ففي مقابل أنظمة عربية كثيرة تُعلن انتماءها إلى «الحداثة» أو «العلمانية» أو «الدولة المدنية»، لكنها بحكم تبعيتها ، بقيت عاجزة عن بناء اقتصاد منتج و قاعدة صناعية متماسكة و منظومة علمية و تكنولوجية مستقلة ،،،
نجد تجربة مثل إيران ، رغم طبيعة نظامها السياسي القائم على مرجعية دينية محافظة، وما يرافقه من قيود سياسية واضحة ... قد دفعتها عقود طويلة من الحصار والعقوبات إلى جانب عدة عوامل أخرى جيو سياسية و جيو استراتيجية ، إلى تطوير دينامية داخلية للاعتماد النسبي على الذات، تمثلت في توسيع مجالات البحث العلمي وبناء قطاعات صناعية وتكنولوجية متعددة، من الصناعات العسكرية و الميكانيكية إلى الدوائية والفضائية والتقنية و النووية السلمية...
لا يعني هذا التوصيف تجاهل الطابع السلطوي للنظام السياسي أو التغاضي عن الإشكالات الطبقية و الديمقراطية العميقة داخله ؛ فالنقد التحرري يظل موجهاً لكل بنية سلطوية تُقيّد الحريات وتكبح المشاركة الشعبية و على أية حال فالاستبداد سيمة مشتركة إيرانياً و عربيا.... !
غير أن المقارنة تكشف، في الآن ذاته، حدود الخطاب "الحداثوي العربي" حين ينفصل عن السؤال المادي للتنمية والسيادة... فالمجتمع الذي يعجز عن إنتاج أدوات قوته العلمية والتكنولوجية يبقى، مهما تبنّى من شعارات ثقافية مدنية على أهمية القيم المدنية طبعا ، رهين موقعه الطرفي داخل تقسيم العمل العالمي...!
إن الحداثة، في معناها القيمي التاريخي العميق، لم تكن مجرد ثورة في الأفكار، بل كانت أساساً تحولاً في البنية الإنتاجية وفي علاقة المجتمع بالعلم و الثقافة العقلانية التنويرية و الديموقراطية والتقنية والقوة المادية...!
فالمجتمعات التي أنجزت قفزاتها الحداثية الكبرى فعلت ذلك عبر بناء الصناعة، وتطوير المعرفة العلمية العصرية، وتأسيس قاعدة اقتصادية قادرة على إنتاج الثروة و القيمة المضافة، وليس عبر الاكتفاء بتبني أنماط ثقافية أو شعارات مؤسساتية منفصلة عن واقع الإنتاج...!
ومن هنا يكتسب السؤال بعده التحرري: أيّ المجتمعات أقرب إلى الحداثة الفعلية؟ هل هو المجتمع الذي يمتلك خطاباً سياسياً «حداثياً» لكنه يظل سياسياً و اقتصادياً تابعاً ومحدود القدرة الإنتاجية؟ أم المجتمع الذي، رغم تناقضاته السياسية والأيديولوجية، ينجح في بناء قدرات علمية وصناعية تُمكّنه من فك الارتباط التدريجي و تقليص تبعيته للنظام الرأسمالي العالمي و بناء سيادته بما فيها السيادة الرقمية و الفضائية و النووية ؟
في ضوء هذا المنظور، تبدو "الحداثة" في كثير من التجارب العربية حداثة استهلاكية أو شكلية، تتجسد في أنماط العمران أو في بعض الإصلاحات القانونية المحدودة أو في الخطاب الثقافي الفوقي للنخب ، الفاقد للحاضنة الاقتصادية والاجتماعية الضرورية ، ناهيك أن الطغم الكمبرادورية المهيمنة على نمط الإنتاج في المجتمعات العربية بتعبيراتها السياسية المتنوعة و المتعاقبة ، فعلت كل شيء من أجل الانخراط في النظام الرأسمالي المعولم و راكمت الأرباح الطائلة ، لكنها حافظت على البنى التقليدية في المناهج التعليمية و في المجتمع عامة و مارست حداثتها الشكلانية المشوهة على هواها،،، طالما أن الحداثة لم تُترجم إلى مشروع تاريخي لبناء القوة الإنتاجية للمجتمع بالتوازي مع احترام قيم الحداثة التقدمية و هذا يعد من الأسباب الرئيسة في فشل الطموح النهضوي ...!
الحداثة الفعلية هي، في جوهرها، عملية تاريخية لتحرير الإرادة الشعبية و الاقتصادية التنموية والعلمية للشعوب من قيود التبعية البنيوية...!
وهكذا تكشف المقارنة أن الصراع لا يمكن اختزاله بين «الديني» و«العلماني الشكلي» من دون قاعدة مادية اجتماعية و ثقافية ديموقراطية تحررية ،،، بقدر ما هو بين مشروع سيادة ديموقراطي شعبي ، تاريخي تحرري يسعى إلى امتلاك أدوات العلم والإنتاج، ومشروع تبعية يعيد إنتاج اقتصاد ريعي هشّ تحت غطاء خطابي حداثوي فوقي...! فالمجتمع الذي يملك العلم و المعرفة والصناعة والتكنولوجيا يخطو، موضوعياً، خطوة في اتجاه الحداثة التاريخية، مع الحفاظ على معركته من أجل الديمقراطية والحريات مفتوحة...! أما المجتمع الذي يسوده الاستبداد و التبعية والذي يكتفي بترديد خطاب الحداثة دون أن يمتلك أدواتها المادية و التاريخية التحررية ، فإنه يبقى أسير حداثةٍ هشة بلا قوة، وحداثةٍ شكلية استهلاكية،بلا سيادة...!
و بالمحصلة، الحداثة قيم تاريخية تحررية ناهضة وليست حداثة "واجهات" و شعارات...و لا تُقاس بمدى تبني أو ترديد خطاب ثقافي معين، بل بقدرة الشعوب على تحويل العلم والعمل والإنتاج إلى قاعدة لتحررها الوطني و الديموقراطي الشعبي و انعتاقها الاجتماعي انتصارا للعقل و الحرية و لسيادتها التاريخية...
ومن دون هذا الشرط المادي، تظل الحداثة مجرد خطاب استهلاكي يخفي استمرار التبعية و التخلف و انتهاك السيادة، داخل بنية النظام الرأسمالي العالمي...!
عمران حاضري
14/3/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *