الاستنزاف الإيراني وخيار الضربة النووية.سلام موسى جعفر
الاستنزاف الإيراني وخيار الضربة النووية.سلام موسى جعفر
كتبت هذا المقال قبل ستة أيام، وعرضته على صديقة عُرفت برصانتها وابتعادها عن التسرع في إطلاق الأحكام. كانت أول ردة فعل صدرت عنها، قبل أي تقييم: "خوّفتني". عندها وضعته على الرف، ببساطة لأنني لا أريد أن أساهم في نشر الذعر.
غير أن التلميحات بإمكانية اللجوء إلى الخيار النووي ضد إيران بدأت تتسلل إلى الخطاب السياسي والإعلامي، تارة بين السطور وطوراً بعبارات أكثر وضوحاً. وفي مقابلة مطولة مع المحلل الاستخباراتي المخضرم الذي خدم في ظل تولي سبع رؤوساء أمريكيين حكم الولايات المتحدة الأمريكية "راي ماكغفرن" سمعته يقول بصراحة إنه لا يستبعد إقدام إسرائيل على استخدام السلاح النووي بوصفه خيار "شمشون" الأخير. عندها سحبت المقال من الرف، وقررت نشره بعد تعديل صياغاته ليتناسب مع التطورات التي حدثت خلال الأيام التي تركته فيها جانباً.
تخوض الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حرباً قذرة ذات طابع تدميري شامل ضد إيران، وقد انضمت إليها فعلياً معظم دول المعسكر الغربي، مهما جرى التظاهر بوجود خلافات أو تباينات في المواقف المعلنة. فليس ثمة في الواقع مساهمة دفاعية وأخرى هجومية منفصلتان، إذ إن الدفاع ضد المقذوفات الإيرانية يعني بالضرورة المساهمة في تعزيز الهجوم على إيران.
وكما رأينا، أدارت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب بأساليب وحشية تستهدف التدمير الواسع، مستندتين إلى القدرات العسكرية الهائلة التي تمتلكها الدول المعتدية. وفي المقابل تخوض إيران دفاع إعجازي مشروع بشجاعة منقطعة النظير، حيث تعمل بذكاء حاد على استنزاف المعتدين وفرض واقع سياسي يؤثر في مسار الحرب. وقد بدأت ملامح هذا التأثير تظهر بالفعل، سواء على المستوى الاقتصادي العالمي، أو داخل الساحة السياسية في الولايات المتحدة، وحتى في الدائرة المحيطة بالرئيس دونالد ترامب.
لا تمتلك إيران ترسانة تدميرية موازية، تكفي لردع العدو ومنعه من مواصلة تدميره الوحشي للبنى التحتية، ذلك أن ما يردع إسرائيل والولايات المتحدة فعلياً هو السلاح النووي، وهو ما لا تملكه إيران في هذه الحرب. لذلك تنتهج طهران استراتيجية استنزاف طويلة الأمد وذكية، تستهدف ضرب اقتصاد العدو وإفشال أهداف حربه المعلنة، عبر إطالة أمد الصراع ورفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية على المعتدين.
وبعدما فشلت الحملة في تحقيق هدفها المُعلن، وهو إسقاط النظام، تكبد الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في الخليج خسائر موجعة شكّلت فضيحة عسكرية لأكبر قوة في العالم. ولم تكن هذه الخسائر معزولة عن مسار المعركة، إذ تمكنت إيران من تنفيذ ضربات مؤلمة داخل إسرائيل نفسها، لا تكشف الروايات الرسمية عن كثير من تفاصيلها.
إن نجاح إيران في تطبيق استراتيجية الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي دفع خصومها إلى حالة من التخبط وفقدان السيطرة. ويتجلى ذلك في تصاعد القصف التدميري وتضارب تصريحات المسؤولين الغربيين، وهو ما يعكس حالة الانفعال والارتباك التي تؤشر على إحساس بروح الهزيمة أمام صمود إيران ومثابرتها.
دفع الغرور بالأحمق دونالد ترامب، بعد نجاح خطته المافيوية في فنزويلا، إلى الاستهانة بقدرات إيران وبإرادة قادتها وجيشها وشعبها في الدفاع المستميت عن الكرامة الوطنية. فاندفع إلى شن الحرب الإسرائيلية القذرة، متورطاً في مستنقع قذارته. بالمقابل، ينبغي بنا التحذير من الاستهانة بحالة اليأس التي قد يبلغها المتورطون في هذه الحرب، فحين يشتد الضغط على من يمتلكون الاستعدادات اللاأخلاقية، قد يلجؤون إلى ارتكاب جرائم إبادة جماعية هروباً من الهزيمة.
لقد أصبحت المصلحة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة ودول الغرب تميل إلى إنهاء الحرب، لوقف النزيف المتواصل الذي تكبدته وما زال مستمراً. وتشهد على ذلك كبريات الصحف الغربية، فضلاً عن تحليلات شخصيات ذات وزن ثقيل وخبرة في الحروب والتقييمات الاستخبارية. أما التصعيد الذي يلوح به ترامب، والتغيير المستمر في الخطط العسكرية وأهداف الحرب، ومحاولاته لحشد دعم دولي لفتح مضيق هرمز، فليست سوى مؤشرات إضافية على الورطة الغبية التي أوقع نفسه فيها.
غير أن إسرائيل، التي لا تستطيع تحمل استنزاف بهذا الحجم، وتُعد في الوقت نفسه المتضرر الأكبر من إنهاء الحرب من دون تحقيق أهدافها المعلنة، قد تسعى إلى جر واشنطن نحو خيار الحسم النووي. وليس ذلك بوصفه خيار "شمشون" الأخير القائم على هدم المعبد على الجميع، كما يرى ماكغفرن، بل نتيجة الطبيعة البربرية للحركة الصهيونية، التي استندت تاريخياً إلى تأويلات دينية متشددة تبرر إبادة مدن الأعداء وقتل سكانها بلا تمييز، حتى الأطفال الرضع. ويزداد هذا الاحتمال في ظل حالة "رهاب إيران" المهيمنة في الوعي الغربي، وكذلك في بعض بلدان الخليج المتصهينة، وهو ما قد يدفع إلى الاعتقاد بوجود غطاء سياسي مقبول يخفف من حجم الإدانات..
وبفعل نفوذها على الرئيس دونالد ترامب، الذي يبدو وكأنه "هدية سماوية" للمنافسين الدوليين المتربصين بانهيار الهيمنة الأمريكية، قد تدفع إسرائيل الولايات المتحدة إلى القبول بجريمة الضربة النووية ضد إيران. ولا يقتصر الأمر على النفوذ السياسي الذي تمارسه تل أبيب، بل يتقاطع أيضاً مع الاستعداد النفسي والأخلاقي لدى ترامب نفسه للإقدام على مثل هذه الجريمة، في ظل خطابه القائم على التباهي بالقوة والاستخفاف بالعواقب الإنسانية والتاريخية لمثل هذا القرار. لذلك تحاول إسرائيل، قدر الإمكان، توريطه بحيث تُطلق الضربة من الجيش الأمريكي حفاظاً على سمعتها هي، أو أن تحصل على ضمانات حماية موثوقة تمكنها من القيام بنفسها بهذا العمل القذر.
ولن يكون مستغرباً، في حال توجيه ضربة نووية جبانة على إيران، سواء قامت بها إسرائيل مباشرة، أو نفذها الجيش الأمريكي لحساب اسرائيل، أن يخرج الرئيس الأمريكي نفسه ليعلن في مشهد مسرحي أن إيران قصفت أراضيها بسلاح نووي صنعته سراً، كما زعم سابقا أن إيران قصفت بنفسها مدرسة "الشجرة الطيبة" بصواريخ توماهوك وقتلت أكثر من 170 تلميذة تتراوح أعمارهن بين السادسة والثانية عشرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق