جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

مفهوم “الحاضنة الشعبية”الرفيق محمد السفريوي

 بعد أزيد من عامين على اشتعال المنطقة، ودخولها مرحلة الحرب الشاملة التي يراد لها إعادة رسم مستقبلها، ما زالت الشعارات تسبق الأسئلة. فهل لم يحن الوقت لفتح نقاش جدي، يتجاوز الاختزال الإعلامي، ويقترب من مكامن الخلل البنيوي؟

لعل أحد المفاتيح الأساسية لذلك هو إعادة ضبط مفهوم “الحاضنة الشعبية”، كإشكال يحتاج إلى تفكيك و إعادة ضبط لمستقبل مفترض لفكرة المقاومة المستقبلية.
المشكلة ليست في وجود الحاضنة أم لا ، بل في كيفية تصورها وبنائها. حين نقارن بين نموذج الحرب الشعبية كما صاغه هوشي منه ، و حالة المقاومة الإسلامية في غزة ولبنان، لا يظهر الاختلاف فقط في الأدوات، بل في المرجعيات التي تحدد موقع الجماهير داخل الفعل النضالي. في التجربة الفيتنامية، لم تكن الجماهير مجرد سند أو عمق اجتماعي، بل كانت القاعدة المادية للنضال: تنتج، تنظّم، وتقاتل. هناك، ارتبط الوعي بالفعل الإنتاجي، وتحول المجتمع نفسه إلى ورشة مقاومة.
في المقابل، تكشف تجارب المقاومة الإسلامية عن تصور مختلف، يترجم مرجعيتها العقدية القائم على مفهوم الرعية و جماعة المؤمنين و الذي يقوم على الرعاية والخدمات كمدخل لبناء العلاقة مع المجتمع. في غزة، فرض الحصار نموذجا يوفر الإغاثة والتعليم والصحة، نجح في تثبيت مجتمع تحت الحصار، لكنه أبقى الجماهير في موقع المتلقي الصامد أكثر من الفاعل المنتج. وفي لبنان، ورغم تطور البنية الخدماتية، ظلّت العلاقة تميل إلى ثنائية الراعي والمستفيد، مع ما تحمله من هشاشة مرتبطة بموارد من الخارج .
هنا يبرز الإشكال: حين تبنى الحاضنة على قاعدة إنتاجية،كما عرفته التجربة الفيتنامية ، يصبح الوعي متجذرا و مؤهلا للتطور؛ أما حين تختزل في الرعاية، فإنها تنتج وعيا تعبويا يستطيع الصمود، لكنه محدود القدرة على المبادرة. لا يتعلق الأمر بإنكار أهمية الخدمات في سياقات الحصار ، بل في تحولها إلى نموذج دائم يعيد إنتاج السلبية بدل تجاوزها.
السؤال الجوهري ليس أن : هل تقدم خدمات أم لا؟ بل: هل يمكن أن تتحول هذه الخدمات إلى وسيلة لإدماج الناس في الإنتاج، أم تبقى بديلا عنه؟ لأن المقاومة التي لا تربط مشروعها العسكري ببناء قاعدة إنتاجية، تظل رهينة موارد خارجية ، لا قدرات مجتمعها.
في النهاية، لا يقاس نجاح الحاضنة بقدرتها على الصمود و التضحية فقط، بل بقدرتها على التحول إلى قوة فاعلة. بين حاضنة تشترى بالرعاية، وأخرى يتم صياغتها عبر الإنتاج والمشاركة،
هنا يتحدد أفق المقاومة: إما الاستمرار كقوة إحسان، أو التحول إلى مشروع تحرر مجتمعي شامل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *