“وثيقة المدينة”السفريوي محمد
يبدو طرح بناء نظرية سياسية على “وثيقة المدينة” و التي اولاها المفكر الراحل محمد عابد الجابري أهمية معتبرة، وكأنها نصّ تأسيسي للدولة في الإسلام . فيه قدر من المجازفة المنهجية؛ لأن وثيقة دون سند شرعي لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الإلزام التشريعي بالنسبة للإسلاميين . ومن هنا يبدأ النقاش.
في مقاله حول “نظرية أحمد التوفيق السياسية”، أقدم يونس مسكين على الادعاء ان خطابا دينيا رسميا يسعى لصياغة تصورً“مغربي” للعلاقة بين الدين والسياسة: لا هو علماني صريح، ولا هو ديني تقليدي، بل تركيب يزاوج بين أدوات الدولة الحديثة ومرجعية دينية عليا. ذلك المقال في ظاهره مقنع، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن هناك ، بل في الأساس الذي يبنى عليه هذا التركيب.
هنا تبرز مسألة المصادر: إذا كانت السيرة النبوية تعتبر سياقا تاريخيا شارحا ، فإنها — منهجيا — ليست في مرتبة الحديث النبوي الثابت من حيث الاحتجاج التشريعي. فالأصل في بناء الأحكام هو ما صح من السنة، لا ما جاء في كتب السّير من أخبار تحتمل التفاوت في الصحة. وهذا ليس تفصيلا تقنيا، لأنه غير ملزم شرعا بالنسبة للإسلاميين
كما أن تطرح “وثيقة المدينة” بوصفها نصا يؤسس لمفاهيم المواطنة والتعدد والاتفاق السياسي. و هي كما هو معلوم في كتب التراث، لم ترد بسند قوي متصل: فقد أوردها ابن إسحاق دون إسناد، ورواها البيهقي بإسناد فيه مقال، كما جاءت عبر طرق فيها رواة ضعفاء . صحيح أن كثيرا من الباحثين يقبلونها كسردية تاريخية ضمن كتب المغازي، لكن لا يحوّلها إلى أصل تشريعي صلب يمكن أن تبنى عليه “نظرية سياسية” من داخل المنظومة العقدية الاسلامية.
من هنا، فإن أي محاولة لتأصيل تصور سياسي معاصر، انطلاقا من هذه الوثيقة ، ستصطدم بإشكال القبول داخل الحقل الإسلامي نفسه. فتيارات الإسلام السياسي، على اختلاف مدارسها، تبني شرعيتها على نصوص قطعية ، ولن تقبل بسهولة تأسيس نظرية حكم على نصّ مختلف في سنده.
بعبارة أوضح: لا يكفي أن تكون الفكرة “مغربية” أو “توفيقية” حتى تنجح؛ بل يجب أن تكون مقبولة داخل المرجعيات التي تدّعي الانتساب إليها. وإلا تحولت إلى صيغة وسطى لا ترضي الحداثيين لأنها ليست مدنية كاملة، ولا تقنع الإسلاميين لأنها ليست مؤسسة على أصول شرعية .
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق