حرب ترامب ونتنياهو على إيران : سقوط الخطاب وبقاء كلفة الوهم بقلم ذ.عبد اللطيف رقيق
حرب ترامب ونتنياهو على إيران : سقوط الخطاب وبقاء كلفة الوهم
بقلم ذ.عبد اللطيف رقيق
ليست المشكلة في حرب ترامب ونتنياهو على إيران أنها فتحت جبهة جديدة في الشرق الأوسط فحسب، بل في أنها كشفت، مرة أخرى، الفجوة الفادحة بين الخطاب الاستعراضي والحقيقة القاسية على الأرض. فمنذ الأيام الأولى، بُنيت الرواية الأميركية على وعد الحسم السريع، وشُلّت الرادارات، ودُمّرت الدفاعات، وانكسر الخصم. لكن ما جرى لاحقاً أهان هذه السردية نفسها: طائرات أميركية سقطت أو أُصيبت، ومضيق هرمز تحول إلى ورقة ضغط عالمية، وحلفاء واشنطن بدأوا يبتعدون عن المغامرة بدل الاصطفاف خلفها.
إن أكثر ما يفضح هذا المأزق هو التناقض الصارخ بين تصريحات ترامب ووقائع الميدان. ففي الوقت الذي واصل فيه التبشير بأن القدرات الدفاعية الإيرانية جرى تفكيكها، جاءت الأخبار من الجبهة لتقول إن إيران ما تزال قادرة على تهديد التفوق الجوي الأميركي، وأن الحرب لم تحسم، بل دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة.
غير أن اتساع رقعة المواجهة لم يبقَ محصوراً بين واشنطن وطهران، بل امتد إلى القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في الخليج، والتي تحولت من نقاط ارتكاز آمنة إلى أهداف محتملة ضمن معادلة الرد المتبادل. فمع تصاعد التوتر، شهدت بعض هذه القواعد حالات استنفار قصوى، وعمليات إخلاء جزئي، وتعليقاً لأنشطة غير أساسية، في ظل مخاطر الاستهداف الصاروخي أو الهجمات غير المتناظرة.
هذا التحول الاستراتيجي يحمل دلالات عميقة:
فالقواعد التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة للاستقرار، باتت نفسها عاملاً من عوامل التوتر، وعبئاً أمنياً على الدول المستضيفة، التي تجد نفسها فجأة في قلب معادلة الصراع، لا على هامشه.
اقتصادياً، لا تقل التداعيات خطورة. فدول الخليج، التي تعتمد على الاستقرار الأمني لجذب الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال، بدأت تواجه ضغوطاً متزايدة. ارتفاع تكاليف التأمين، تراجع الثقة في البيئة الاستثمارية، اضطراب سلاسل الإمداد، وتأثر قطاعات حيوية مثل الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية—كلها مؤشرات على أن الحرب لم تعد مجرد حدث عسكري، بل أزمة اقتصادية ممتدة.
وفي حالات معينة، أدى تصاعد التوتر إلى تعطيل جزئي للبنية التشغيلية في بعض المنشآت الحيوية، سواء بسبب الإجراءات الاحترازية أو المخاوف الأمنية، وهو ما انعكس على وتيرة الإنتاج والنشاط الاقتصادي. كما أن استمرار التهديدات يضع هذه الدول أمام معادلة صعبة: بين الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية مع واشنطن، وبين تجنب أن تصبح ساحة مباشرة للصراع.
أما على المستوى الأوسع، فإن وجود قواعد أميركية في دول مثل الإمارات وقطر والبحرين والكويت يجعل هذه الدول أكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيه. فمجرد ارتباطها بالبنية العسكرية الأميركية يضعها ضمن دائرة المخاطر، ويجعل استقرارها الاقتصادي والأمني مرتبطاً بمسار الحرب نفسها.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال حرج:
هل تحولت هذه القواعد من أدوات ردع إلى نقاط هشاشة؟
فحين تصبح القاعدة العسكرية هدفاً، تصبح الدولة المضيفة في موقع دفاعي دائم، وتتحمل كلفة أمنية واقتصادية متزايدة، دون أن تكون صاحبة القرار في إشعال الحرب أو إنهائها.
وبالعودة إلى إسرائيل، فإنها بدورها تعيش تحت ضغط مشابه، حيث تتزايد المخاوف الأمنية، وتتأثر الحياة اليومية، ويزداد العبء الاقتصادي نتيجة الاستنفار المستمر. هذا التداخل في ساحات التأثير يعكس طبيعة الحرب الحديثة: لا حدود واضحة لها، ولا جبهات منفصلة، بل شبكة من التداعيات المتشابكة التي تطال الجميع بدرجات متفاوتة.
أما عالمياً، فإن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد كلفة الشحن، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الدولي، وتعيد إلى الواجهة شبح الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها لم تعد تُقرأ بوصفها حملة ردع، بل بوصفها سياسة إنكار: إنكار للواقع الميداني، ولمواقف الحلفاء، وللكلفة الاقتصادية، ولتآكل الثقة الداخلية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن هذه الحرب تقترب من نهايتها، بل من تعقيدها.
فبين خطاب يَعِد بالنصر، وواقع يزداد اضطراباً، تتسع الهوة، ويكبر السؤال:
من يدفع الثمن فعلاً؟
الجواب لم يعد محصوراً في طرف دون آخر، بل يشمل منطقة بأكملها، وربما العالم كله.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق