صمود إيران وانتصارها وكيفية الاستفادة منهما في بلادنا؟ بقلم د. بدر السماوي
صمود إيران وانتصارها وكيفية الاستفادة منهما في بلادنا؟
بقلم د. بدر السماوي
صدر بجريدة الشروق بتاريخ 10 أفريل 2026
ابتهجت كل القوى الوطنية والحرة وكل شعوب العالم للانتصار الباهر الذي حققته الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بعد مواجهة عنيفة تواصلت ليلا نهارا على مدى أربعين يوما دفع خلالها الشعب الإيراني الكثير من الدماء فضلا عما جرى في ساحات أخرى مجاورة مثل فلسطين ولبنان والعراق واليمن علما أن عدوان الصهاينة الغادر على لبنان عقب إعلان ترامب عن هزيمته لا يقلل من قيمة الانتصار الإيراني ودلالاته. فما الذي يمكن أن نستفيد منه في تونس بعد الجولة الأخيرة من المواجهة؟
السيادة الاقتصادية
نجحت إيران في امتلاك مقومات القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية بفضل انتهاج سياسة وطنية شعارها الاعتماد على الذات رغم الحصار المضروب عليها. فإيران تنتج أغلب احتياجاتها الغذائية مثل القمح والأرز والفواكه وتعتبر من أكبر مصدري المنتجات الزراعية مثل الفستق والزعفران. وتستخدم إيران تقنيات الري الحديثة لمواجهة الجفاف بهدف تقليل الارتباط بالأسواق العالمية لتأمين غذاء شعبها. وتمكنت إيران من تطوير برنامج نووي رغم الحصار والعقوبات التي سلطت عليها. كما عرفت كيف تستثمر في الثروة النفطية والغاز لفائدة البناء الوطني. وشجعت أيضا الشركات الناشئة والشباب على ابتكار حلول محلية للمعدات التي يرفض الغرب تصديرها لها. وعليه فإن شعار الاعتماد على الذات الذي نرفعه اليوم يثبت مرة أخرى قدرته على تحقيق السيادة الاقتصادية.
تنويع العلاقات الخارجية
عرفت إيران كيف تستثمر في موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين وسط آسيا والخليج العربي وبين الشرق والغرب بما يجعلها ممراً اقتصادياً لا يمكن تجاوزه. وسوف يتيح لها التحكم في مضيق هرمز من تعزيز مكانتها الدولية باعتبار أن النقل الدولي وتفعيل الممرات وسيلة لإلغاء العقوبات الغربية وكسر الحصار وتنمية الاقتصاد. ويمكن لنا في تونس الاستفادة من موقعنا الجغرافي كبوابة لإفريقيا وجسر للمتوسط مما يتيح فك الارتباط بمراكز النفوذ التقليدية وتنويع الشراكات الدولية شرقاً وغرباً. وقد تم في السنوات الأخيرة الشروع في هذا التمشي مع التأكيد على المثابرة فيه.
تعزيز الوحدة الوطنية
تجسدت في المواجهة الأخيرة الوحدة الوطنية من خلال وقوف كل الشعب الإيراني إلى جانب قيادته بما في ذلك الأطراف التي لها اختلافات مع النظام من ذلك أن المخرج السينمائي جعفر بناهي عاد في بداية الشهر الحالي وقبل إيقاف الحرب إلى بلاده رغم وجود حكم بسجنه لمدة عام وحظر سفره مؤكدًا تمسكه بوطنه "أقف مع بلادي وعدت لأموت فيها" . لذلك فإن المنطق يفرض على كل من ينتصر في تونس لانتصار إيران أن يكرس موقفه في بلاده وذلك بالالتفاف حول المسار الوطني الحالي وقطع الطريق أمام "طوابير الاستقواء بالخارج". فالوطنية ليست شعاراً بل انحياز صريح للدولة في مواجهة الضغوط الأجنبية والدوائر الاستعمارية التي تحاول تقويض استقلال قرارنا. ويخطئ من يحاول عبثا مساندة الشعب الإيراني دون قيادته فالواقع يثبت يوميا وعلى المباشر التحاما وثيقا بينهما.
فلسطين البوصلة
ما أن تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العدوان حتى استأنفت قصف الكيان الصهيوني باعتباره أداة الامبريالية الأمريكية في المنطقة الذي يسعى إلى تكريس مشروع " إسرائيل الكبرى". فقد أكّد الرد الإيراني أن البوصلة التي لا تشير إلى القدس بوصلة مشبوهة كما تبين أن استهداف إيران كان عقاباً لها على تبنيها لخيار المقاومة ورفضها لوجود "الكيان اللقيط" وخاصة خلال ملحمة طوفان الأقصى. ورغم عراقة الموقف التونسي الوطني من مركزية قضية فلسطين إلا أن التطورات والتهديدات الدولية والإقليمية الأخيرة تفرض التذكير والتأكيد على ضرورة الإبقاء على البوصلة متجهة نحو فلسطين والحذر من الانزلاق في أجندات مشبوهة حول الديمقراطية الشكلية أو الاختفاء وراء الدفاع على حقوق الإنسان التي داستها نفس القوى التي اعتدت على إيران وقتلت الآلاف من أبنائها واغتالت قادتها وهددت بمحو حضارتها.
نحو نظام دولي جديد
تندرج المواجهة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار احتداد التناقض الرئيسي بين الامبريالية من ناحية والشعوب من ناحية أخرى والذي مثلت ملحمة طوفان الأقصى نقطة تحول كبير على طريقه. كما يمهد هذا الانتصار الطريق إلى القضاء على النظام الدولي الظالم الذي نتج عن الحرب العالمية الثانية. وقد ذهب الرئيس قيس سعيد في نفس التحليل عندما دعا لأكثر من مرة وآخرها يوم 6 افريل 2026 بمناسبة الإشراف على إحياء ذكرى وفاة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى تجاوز النظام الدولي الحالي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية والذي بدأ يتهاوى ولم يعد قادراً على تحقيق العدالة مطالبا بإنهاء الهياكل الدولية القديمة وإقامة نظام جديد يقوم على المساواة والتعاون المشترك بين الشعوب.
إن الاستفادة من انتصار إيران لا يعني نقل الدروس عنها بصفة آلية أو إسقاطها على بلادنا ولا يُقصد منه التقليل من تجارب أمتنا العربية في مواجهة التدخلات الأجنبية بل هو إثراء للمهام المطروحة في هذه المرحلة التي نخوض فيها معركة تحرر وطني في ظروف دولية متقلبة تستوجب الدفاع على سيادتنا وصون كرامة شعبنا والنهوض باقتصادنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق