مابين فتح الخائنة و اليسار المأزوم *احمد ابوعلي
مابين فتح الخائنة و اليسار المأزوم
عندما تحدّث فلاديمير لينين عن قيادة البرجوازية الصغيرة للثورة في ربيع عام 1917، لم يكن ذلك إقرارًا بحقّها في القيادة أو تسليمًا بحتميّة تاريخية تُفضي إليها، بل توصيفًا لمرحلة عابرة فرضتها موازين القوى داخل نظام نيقولا الثاني الاستبدادي، حيث شكّلت تلك الفئة آنذاك طليعة الحراك والقوة الأكثر حضورًا.
غير أنّ لينين حذّر بوضوح من خطورة هذه القيادة، معتبرًا إيّاها فئة متقلّبة بطبيعتها، تحمل في داخلها بذور الانقلاب على الثورة. ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى تبدّت صحة هذا التحذير، إذ انتصر الحزب البلشفي على المناشفة، وأُقيم حكم البروليتاريا في إطار ما عُرف بـ السوفيات.
إلّا أنّ ما يُسمّى باليسار الفلسطيني — من يسارٍ قوميٍّ ثوريٍّ ماركسي في بداياته ، إلى يسارٍ انتهازيٍّ غارقٍ في التبرير والتسويغ (من بعض الشيوعيين وتفرعات المنشقّين عن الشعبية) — قد تعامل مع مقولة فلاديمير لينين حول قيادة البرجوازية تعامُلًا مبتورًا، أشبه بمن يقتطع من النصّ ما يخدم عجزه، لا ما يحرّض على تجاوزه. وتجاوزوا واحدة من اهم الأفكار اللينينية و الماوية فيما بعد والتي تناولها لينين في ' مانيفستو الثورة'!
فأخذوا من الفكرة ظاهرها، وتركوا جوهرها التحذيري؛ قرأوها كما تُقرأ عبارة: “ولا تقربوا الصلاة” دون إتمامها، فحوّلوها من تحليلٍ مرحليٍّ مشروط إلى ذريعةٍ دائمة للركون والاستسلام. وهكذا، بدلاً من أن تكون أداة نقدٍ وتجاوز و العمل على بديل ثوري ، أصبحت غطاءً أيديولوجيًا لقبول قيادة اليمين البرجوازي، وكأنها قدرٌ محتوم لا يُناقش ولا يُقاوَم.
بهذا المنطق، تخلّى هذا اليسار عن دوره الطليعي، واستبدل الصراع بالتكيّف، والنقد بالتبرير، فاستسلم للواقع الثقافي والاجتماعي والطبقي، لا بوصفه ميدان تغيير، بل كجدارٍ نهائيٍّ لا يُمكن اختراقه — سواء في الحالة الفلسطينية أو في امتدادها العربي الأوسع.
منذ عام ١٩٧٤ بالتحديد، استسلم اليسار الفلسطيني رسميًا لواقعٍ متخلّفٍ تُهيمن عليه برجوازيةٌ متسلّطة، في إطار علاقات إنتاجٍ مشوّهة ومجتمعٍ ريعيٍّ مُقيّد ومجتمع فلسطيني مشتت بين الداخل و الخارج . وبدلًا من أن ينأى بنفسه عن مغامرات اليمين الفاسد — قيادة منظمة التحرير — بما في ذلك انخراطها في مغازلاتٍ مع ما سُمّي آنذاك بـ”اليسار الصهيوني”، ونسجها علاقاتٍ منهجية عميقة مع الرجعية العربية، وعلى رأسها الأنظمة الخليجية بقيادة السعودية، اختار هذا اليسار طريقًا آخر: طريق الانتظار !
لم يسعَ، حتى منفردًا، إلى بلورة بديلٍ ثوريٍّ حقيقيٍّ في مواجهة قيادةٍ كانت تمهّد تدريجيًا لانحرافٍ خطير عن مسار الثورة، بل آثر الاحتماء بذريعة “الظروف الموضوعية والذاتية” التي صُوّرت على أنّها قاهرة، إن لم تكن مستحيلة التجاوز، دون القبول بقيادة اليمين. على الرغم من ان اليسار كان فاعلا كبيرا في السبعينيات حتى إلى مؤتمر الجزائر ، يومها فقد تقريبا كل شيء.
وهكذا، جرى تكريس معادلةٍ ملتبسة تحت عنوان “تحالف–تناقض–تحالف”: نتحالف حيث تلوح منفعة للقضية ، ونختلف ضمن حدودٍ مضبوطة لا تتجاوز سقف ما سُمّي “الوحدة الوطنية الفلسطينية”. غير أنّ هذه المعادلة، في جوهرها، لم تكن سوى صيغةٍ لتأبيد التبعية، وتقييد الفعل الثوري، وتحويل الاختلاف إلى هامشٍ لا يهدّد مركز القرار.
اليمين الفلسطيني — بوصفه خليطًا غير متجانس من بقايا أيديولوجيا إسلامية محافظة (كما لدى المؤسسين الأوائل لحركة حركة فتح)، وتياراتٍ قومية وكيانية، ويُضاف إليها بعض من تسمّوا زيفا يسارًا دون معرفةٍ فعليةٍ بتراث كارل ماركس أو فريدريك إنجلز أو فلاديمير لينين — لم يكن يومًا كتلةً ساذجة أو فاقدة للوعي السياسي.
فالقيادة المتنفّذة داخله، وخصوصًا ضمن أطر منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، ظلّت في قبضة يمينٍ صلبٍ: مزيجٌ من إسلاميين سابقين، وبُنى عشائرية، ورجال مالٍ راكموا نفوذهم في الخليج وداخل الأرض المحتلة. هذا اليمين لم يكن غبيًا، بل كان شديد الإدراك لطبيعة اليسار ونقاط ضعفه، فنجح في صياغة علاقةٍ أحادية الاتجاه: يسارٌ في خدمة مشاريع اليمين.
وقد جرى ذلك عبر أدواتٍ واضحة: المال السياسي المتدفّق، توزيع المناصب والامتيازات على أفرادٍ وقوى يسارية (كما حدث مع بعض الشيوعيين وأوساط نايف حواتمة)، واستثمار الانشقاقات الداخلية، وإتقان لعبة المكائد والمناورات، بل وحتى “الحركات البهلوانية” السياسية التي برعت فيها قيادة اليمين لترسيخ هيمنتها وإبقاء الآخرين في دائرة التبعية.
فشل اليسار، عمليًا، في تحويل معارضته لمغامرات اليمين إلى فعلٍ مؤثّر، لا لأن الوقائع كانت غامضة، بل لأنه تراجع مرارًا عند لحظات الحسم، وطوى بيده ما كان يفترض أن يكون أدوات ضغطٍ ومواجهة. فكما أُغلِق ملف “جبهة الرفض” دون استثمارٍ حقيقيٍّ لدلالاته، جرى أيضًا التنصّل من بناء بدائل وطنية بعد الخروج من بيروت، ورفض الانخراط الجدي في أطرٍ مثل “التحالف الوطني” الذي قاده الراحل خالد الفاهوم.
وبدل أن يشقّ طريقًا مستقلًا، ظلّ هذا اليسار يدور داخل حلقةٍ مفرغة، محكومًا بإطارٍ معروف الوجوه والوظيفة: “الإطار الديمقراطي”، الذي لم يصمد طويلًا قبل أن يُفكّك على عجل، تمهيدًا للعودة إلى بيت الطاعة السياسي، واستعادة العلاقة مع ياسر عرفات.
وهكذا، ومن دون أي تغييرٍ جدّي في بنية منظمة التحرير الفلسطينية أو مؤسساتها، قَبِلوا مجددًا بسلسلةٍ من “التطمينات” والوعود الفارغة التي اعتاد عرفات تكرارها وبيعها لعقود. لم يكن ذلك سهوًا عابرًا، بل نمطًا متكررًا من التراجع: يُستبدل فيه الفعل بالمساومة، والموقف بالانتظار، لتُعاد إنتاج الأزمة ذاتها، ويُمنح اليمين مرةً أخرى شيكًا مفتوحًا لمواصلة المسار ذاته دون كلفةٍ حقيقية.
ما أقدم عليه اليمين المغامر من اصطفافٍ وتخندق، منذ ما بعد 1982 وصولًا إلى أوسلو، داخل معسكر العدو، لم يكن صدمةً عابرة ولا انحرافًا مفاجئًا عن مسارٍ سليم؛ بل كان النتيجة المنطقية لمسارٍ تراكميٍّ متجذّر في بنيته الفكرية والسياسية منذ البدايات.
فمنذ انطلاقة حركة فتح في 1/1/1965، تشكّل خطٌّ واضح، مقبول عربيًا آنذاك، يقوم على فكرة القبول و الاعتراف بإسرائيل مقابل إقامة كيان فلسطيني على الضفة وغزة؛ سواء عبر جرّ المنطقة إلى حربٍ تُفضي إلى تسوية، أو عبر توظيف العمل المسلّح كأداة ضغطٍ للوصول إلى صفقة. هذه ليست تهمةً مُسقطة، بل مضموناتٌ موثّقة في أدبيات وتصريحات “الآباء المؤسسين”.
وقد عبّر عن هذا المسار قادة بارزون مثل خالد الحسن، وصلاح خلف، وخليل الوزير، وياسر عرفات، وغيرهم من قيادات وكوادر اليمين الفلسطيني، الذين صاغوا هذا التوجّه بوضوحٍ في كتبهم خطاباتهم وممارساتهم.
وعليه، فإن ما جرى لاحقًا، أوسلو ، لم يكن انقلابًا على تلك الرؤية، بل استكمالًا لها بوسائلٍ مختلفة وتحت ظروفٍ متغيّرة. الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أنّ أهداف هذا اليمين لم تكن يومًا سرًّا؛ كانت معروفة للقاصي والداني — ولليسار قبل غيره. لكنّ المأساة لم تكن في وضوح هذا المسار، بل في العجز عن مواجهته أو كسره حين كان ذلك ممكنا .
المؤسف حقًا ليس فقط ما آلت إليه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بل إصرار اليسار الفلسطيني على اجترار الخطاب ذاته: تبريرٌ مُعاد، وعجزٌ مُكرّس، وهروبٌ إلى الأمام بلغةٍ مُنمّقة تُعيد إنتاج أخطاء السبعينيات والثمانينيات تحت غطاءٍ “مُمَرْكَس”. الفارق اليوم أنّ ما كان يومًا ملتبسًا أو متذبذبًا في سلوك اليمين منذ قبل، انكشف تمامًا: لا التباس بعد الآن ولا أقنعة.
لقد تبلورت الوقائع بحدّها الأقصى: تغوّلٌ على الدم الفلسطيني المقاوم، من اغتيال ناجي العلي إلى نزار بنات (وهما مثالان لا للحصر)، إلى خطابٍ رسميٍّ يبرّر العدوان ويقلب المعادلة فيحمّل الضحية وزر قتلها، وصولًا إلى استعدادٍ معلن للقبول بكيانٍ منقوص السيادة على الضفة والقطاع، مع تنازلاتٍ تمسّ القدس وحقّ العودة، وقبولٍ بوظيفةٍ أمنيةٍ تابعة لدولة الاحتلال. ان لم يكن هذا خيانة موصوفة، فما هي الخيانة ؟!
أمام هذا الانكشاف، يصبح استمرار اليسار في ترديد شعارات “الوحدة الوطنية” والرهان على “عناصر وطنية داخل حركة فتح” مجرّد إعادة تدوير لوهمٍ استُهلك حتى النخاع. هذا الخطاب لم يُغيّر شيئًا ولن يُغيّر؛ بل يبدّد ما تبقّى من رصيدٍ نضاليٍّ ويحوّل أصحابه إلى هامشٍ مُلحَق.
الخيار اليوم واضح وقاسٍ: إمّا الالتحاق بخطّ محمود عباس والتحوّل إلى ديكورٍ سياسيٍّ يُستدعى عند الحاجة، أو امتلاك الشجاعة لمراجعةٍ جذرية: نقدُ الذات بلا مواربة، والقطع مع التبعية، وبناء يسارٍ جديدٍ يستند إلى إرثٍ ثوريٍّ حقيقيٍّ صنعه وديع حداد وغسان كنفاني، قاده جورج حبش قبل أن يضيق ذرعًا بما وصلتم اليه.
السؤال لم يعد نظريًا: هل يملك هذا اليسار الفلسطيني الحقيقي الجرأة لقطع الحلقة المفرغة، أم سيبقى أسير خطابٍ ميتٍ يستهلك ما تبقّى منه ؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق