جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أنفا – الدار البيضاء: دائرة الألم و الأمل *د. صلاح الدين المنوزي

 أنفا – الدار البيضاء: دائرة الألم و الأمل *د. صلاح الدين المنوزي

في قلب الدار البيضاء، تمتد أحياء أنفا والمعاريف وسيدي بليوط كمشهد نابض بالتناقضات: حداثة تتسارع بخطى واثقة، وذاكرة مثقلة بالتجارب، وحاضر يسعى جاهدًا إلى تحقيق توازن دقيق. ليست هذه المجالات مجرد دوائر انتخابية تُحصى فيها الأصوات، بل فضاءات إنسانية حيّة يُقاس فيها نبض المجتمع بين الألم والأمل.
تحمل هذه المناطق رمزية اقتصادية وثقافية عميقة، تجعلها مرآة تعكس مسار المغرب وتحولاته التاريخية. فقد شهدت لحظات مفصلية ساهمت في تشكيل مغرب ما بعد الاستقلال ( مؤتمر أنفا، تأسيس المقاومة، ...).كما تحتضن مقومات استراتيجية تضعها في صلب الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ( ميناء الدارالبيضاء، أطول شواطئ المملكة، ...).
في شوارع المعاريف، حيث الواجهات الحديثة والمقاهي العصرية، يبدو المستقبل قريبًا ومتاحًا. وعلى النقيض، تكشف أزقة سيدي بليوط وأسوار المدينة القديمة عن واقع أكثر هشاشة، لكنه أكثر صدقًا في التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية. أما أنفا، فتظل فضاءً تتقاطع فيه القوة الاقتصادية مع الطموحات الفردية، حيث تُصنع الفرص بقدر ما تُختبر الحدود.
غير أن بناء المستقبل لا يقوم فقط على المشاريع الكبرى والاستثمارات، بل يتطلب أيضًا إنصاتًا حقيقيًا لتطلعات السكان. وما شهدته المدينة القديمة في الأشهر الأخيرة يثير تساؤلات عميقة حول أهداف عمليات إعادة الهيكلة، خاصة في ظل الهواجس العقارية والأمنية، وغياب شروط المواكبة الاجتماعية التي تستلزمها عمليات الهدم الواسعة. فالسكان لا يقبلون الاستمرار في ظروف هشة، بل يتطلعون إلى الكرامة والعيش اللائق وضمان حقوقهم الأساسية.
من هذا المنظور، تتجاوز دائرة أنفا كونها مجرد مجال انتخابي، لتصبح مختبرًا حيًا لأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية. كما تمثل الاستحقاقات المقبلة فرصة حقيقية لإعادة طرح أسئلة المستقبل، وإعادة التفكير في العلاقة بين المواطن والمجال الذي يعيش فيه.
كيف يمكن تحويل هذه الأحياء إلى فضاءات محفزة للإبداع بدل أن تكون ساحات للتجاذب؟ وكيف يمكن استثمار طاقاتها الكامنة لتصبح قوة اقتراح وبناء، لا مجرد ردود أفعال؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي.
إن المستقبل ليس حلمًا بعيد المنال، بل مسار يُبنى بخطوات واعية: عبر تعزيز المشاركة المدنية، ودعم المبادرات المحلية، وإعادة الاعتبار للإنسان كجوهر لكل سياسة عمومية. حينها فقط يمكن لهذه الأحياء أن تتحول من فضاء يراوح بين الألم والأمل إلى فضاء للإنجاز والتحقق.
إنها دعوة للنظر إلى أنفا والمعاريف وسيدي بليوط كمساحات قادرة على صياغة الغد، لا مجرد أماكن تعيش إيقاع الحاضر. ويبرز في هذا السياق تحدٍ أساسي يتمثل في الحاجة إلى جيل جديد من المنتخبين، قادر على تجاوز منطق التدبير التقليدي نحو رؤية أكثر نزاهة وصدقًا. جيل يعيد الاعتبار للمؤسسات، ويعزز مصداقيتها وكفاءتها، ويُرسخ الثقة بين المواطن والعمل السياسي، عبر الإنصات الحقيقي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الحاجة اليوم ملحّة إلى مؤسسات قوية ونخب واعية تحمل همّ الوطن والمواطن، وقادرة على تحويل دائرة الألم والأمل إلى فضاء حقيقي للتنمية والعدالة.
د. صلاح الدين المنوزي
21 أبريل 2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *