هل النقد خيانة أم شرط للتطوير؟محمد السفريوي
هل النقد خيانة أم شرط للتطوير؟محمد السفريوي
ثمة سوء فهم متسرع ، فكلما قام بعضنا بمقاربة تجربة المقاومة في غزة بحس نقدي. نعتبره تهجما مغرضا أو اصطفافا صريحا أو ضمنيا مع سردية العدو. بيمنا النقد، في جوهره، ليس نقيضا للمقاومة، بل أحد شروط تطورها. فالمقاومة التي لا يخضع داعموها للتشخيص، يساعدوها على إعادة إنتاج أخطائها.
في هذا السياق، تبدو ملاحظة الرفيق Hassan Saib hass و آخرين ممن أكن لهم تقديرا و احتراما خاصا، حول منشوري السابق عن الوضعية التي تعيشها المقاومة الإسلامية في غزة ليست استثناءً تاريخيا، و ان لها ما يشبهها في تجارب يسارية سابقة اشتغلت تحت وطأة الحصار البنيوي الذي يفرضه العدو الصهيوني و النظام العالمي .
تاريخيا هذا النظام لا يكتفي بخنق التجارب التحررية عسكريا، بل يعيد تشكيل شروطها الاقتصادية والاجتماعية بما يجعلها ضمن حدوده.
لكن هذا التماثل لا ينبغي أن يحجب الفوارق. فحركة مثل حماس، منذ 2006، لم تعد مجرد فصيل مقاوم ينطلق من الخارج الفلسطيني ، بل صارت سلطة قائمة. وهذا التحول يفرض عليها مهاما تتجاوز إدارة الصراع العسكري إلى إعادة تشكيل المجتمع ذاته. التجربة التاريخية تخبرنا أن فعالية المقاومة ترتبط بمدى قدرتها على تحديث البنية الاجتماعية وخلق قاعدة مادية حديثة، أما في الحالة الفلسطينية و مع تسيد حركات المقاومة الاسلامية فقد ظلت المقاربة السائدة أسيرة تصور لا يمنح هذه القاعدة الدور الحاسم في تشكيل الوعي.
والنتيجة أن المجتمع الغزّي لم يدفع بوعي منها نحو تجاوز البنيات التقليدية – العشيرة والقبيلة – لصالح مجتمع حديث قادر على إنتاج مقاومة أكثر نجاعة. بينما في تجارب أخرى، كما في الحالة الفيتنامية، كان بناء الإنسان الحديث جزءا لا يتجزأ من مشروع التحرر، لا مجرد نتيجة لاحقة له.
بدل ذلك، جرى توظيف الموارد المحدودة ضمن منطق تثبيت السلطة أكثر من تطوير المجتمع: تضخم في الأجهزة الإدارية خلق شريحة واسعة من الموظفين المرتبطين بالبنية السلطوية، واقتصاد موازٍ قائم على الأنفاق أفرز فئة من تجار التهريب. هكذا تشكلت بنية اجتماعية هجينة، تعيد إنتاج التبعية بدل تفكيكها.
المسألة، إذن، ليست في النوايا ولا في شرعية المقاومة، بل في شروطها الموضوعية. فبدون أفق لتفكيك الأنظمة الرجعية في المنطقة، وبدون إعادة تأسيس مشروع ثوري يضع الاستقلال الاقتصادي والعلمي في صلبه، ستظل كل أشكال المقاومة حتى الأكثر جرأة و شجاعة و دقة عسكرية كطوفان الأقصى بدون الحد الأدنى من مقومات النجاح و نتائجها ستكون مصيبة للآمال..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق