الاوضاع السياسية منذ السابع من أكتوبر 2023
منذ السابع من أكتوبر 2023 ، هيمنت تحاليل ركزت على الجوانب الجيوستراتيجية و صراع مصالح القوى العالمية في سعيها للتحكم في المعابر المائية و الموارد الاقتصادية و انتقلت القضية الفلسطينية من قضية تحرر لشعوب المنطقة إلى ورقة ضمن أوراق المحاور المتنازعة. و قد ساهمت بلاتوهات قنوات فضائية مثل الجزيرة و العربية إلى تغطية الحدث بإحصاء عدد الطلعات الجوية و عدد الصواريخ . بينما ما يقوم به الكيان على الأرض يتجاوز عمليات عسكرية موجهة بهدف إخضاع أو تدمير تشكيلات عسكرية للمقاومة.
ففي الجنوب اللبناني، وتحديدًا في بنت جبيل و في غزة ، يتجاوز ما تقوم به إسرائيل حدود الاشتباك العسكري إلى نمط أكثر تركيبا وخطورة، يمكن قراءته ضمن مفهوم “إبادة المدن” كاستراتيجية. فالمسألة لم تعد فقط استهدافا لمواقع أو بنى تخدم المقاومة، بل تنفيذا لعملية أوسع تستهدف شروط الحياة نفسها، بما يجعل المكان غير قابل لإعادة التشكل مستقبلا كحيّز اجتماعي حديث.
لقد اظهر نموذج غزة أن الدمار الممنهج ليس أثرا جانبيا للحرب، بل سياسة قائمة بذاتها. فاستهداف المنازل، المدارس، المستشفيات، وشبكات الماء والكهرباء، يندرج ضمن منطق تفكيك البنية الحضرية التي تسمح بوجود مجتمع مستقر. هذا ما يتكرر اليوم في جنوب لبنان: ضربٌ للبنية التحتية لا يهدف فقط إلى الضغط على “الحاضنة الشعبية للمقاومة”، بل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
إن ما يجري هو محاولة لتعطيل كل إمكانية تاريخية لنشوء مجتمع مستقر ، يمتلك الحد الأدنى من مقومات نمط إنتاج واضح وبنية اقتصادية قابلة للتطور. فالمجتمع الذي تُقوّض شبكات عيشه الأساسية و يدفع إلى انتظار مساعدات ، لا يوضع في الهشاشة، بل يُعاد إلى حالة من التعليق الدائم خارج الزمن الطبيعي. وهنا تتجاوز الحرب بعدها العسكري لتصبح أداة لإدارة المجال الاجتماعي والاقتصادي، عبر إبقائه في حالة تفكك بنيوي.
بهذا المعنى، تلتقي “إبادة المدن” مع أفق أوسع من السيطرة: ليس فقط إخضاع الحاضر، بل مصادرة المستقبل. فحين تستهدف شروط الإنتاج وإعادة الإنتاج الاجتماعي، يصبح الهدف هو إغلاق أفق التحول نحو مجتمع قادر على انتاج مقاومة . إنها ليست حربا على المقاومة فحسب، بل على إمكانية أن يعيش الناس في مدنهم ضمن شروط طبيعية للحياة والتنمية.
و الأخطر أن هذه السياسات التي تسعى إلى تفكيك المجتمع عبر تدمير فضائه، فإنها تدفعه في الوقت نفسه إلى إعادة تعريف ذاته داخل الأطر التقليدية كالطائفة و العشيرة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق