جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

"أول ماي: عيد العمال في زمن السيادة المنهوبة"فؤاد الخمليشي

 "أول ماي: عيد العمال في زمن السيادة المنهوبة"فؤاد الخمليشي

البلاد تُدار بأجندة خارجية. اقتصادها مُخترَق. سياستها رهينة. ثقافتها يُعاد إنتاجها في مختبرات اللوبيات. يُفرض التطبيع كنظام وعي. يُعاد تشكيل الشعب ليكون جمهوراً استهلاكياً ويداً عاملة رخيصة. هذه المسارات لا تتعايش فقط. إنها تتضافر لتحويل الوطن إلى بنية مفتوحة للهيمنة. في هذه اللحظة، لم تعد المعركة على الحدود. المعركة على الوعي. ودور المثقف لم يعد خياراً. صار مصيراً.
الاقتصاد كله مُصمَّم على مقاس الخارج. موانئ طنجة والناظور نموذج للسيادة المستباحة، تُدار بمنطق العبور. القرار الاستراتيجي بيد الكونسورتيومات العالمية. القيمة المضافة تصدَّر مع الحاويات. العمالة تُستعمل كورشة منخفضة الأجر. السيطرة الوطنية على سلاسل التوريد غائبة. الدولة تقايض سيادتها بفعالية لوجستية. الرابح هو الخارج. الخسارة للوطن. الفوسفاط قصة استنزاف مُمنهج. التسعير يُحدد في بورصات الشمال. التصنيع مكبل. العقود طويلة المدى تُبرم بلا رقابة شعبية. الخام يُقتلع ويُشحن والمجتمع لا يرى أثراً. ثروة استثنائية تتحول إلى ريع للمستوردين، لا محركاً لتطور داخلي. المحروقات فضيحة بلا قناع. التحرير سلَّم السوق للمحتكرين. الدولة جُرّدت من سلاح التنظيم. الأرباح تضخمت بلا حدود. الأسعار تُرفع لا للندرة، بل لأن الرفع ممكن. المستهلك يدفع ضريبة التبعية. الاحتكار يعبث بالمعيش اليومي.
هذا اقتصاد تحكمه معادلة الماء والاستعمار الجديد للتربة. الماء تحول إلى رأسمال. الحق في الشرب أُلغي. الضيعات التصديرية الكبرى تلتهم الفرشة الجوفية. قرى تظمأ بينما تُروى آلاف الهكتارات للأسواق الخارجية. الواحات تموت. سكانها يُطردون بصمت. التحلية تُطرح حلاً ويُموَّل بالديون والخصخصة. من يفقد الماء يفقد السيادة. هذا ليس جفافاً. هذا نهب مبرمج. الفلاحة التصديرية هي امتداد لهذه المعادلة. الموارد تُخصَّص للإنتاج الخارجي. الغذاء الوطني يتراجع. الأسعار الداخلية ترتفع. صغار الفلاحين يُقصَون. الشركات الأجنبية تتوسع على أنقاضهم. الريف يتحول إلى مزرعة للآخرين. العامل المحلي أداة. المستهلك المحلي ضحية.
السياسة الاجتماعية أداة تعميق للهوة الطبقية عبر صحة الجسد تحت وصاية السوق. الصحة سُلّعت. المستشفيات العمومية مُنهَكة بلا موارد. الكفاءات تهاجر منهارة أمام فروق الأجور. الخصخصة تبتلع كل ما هو مربح. التغطية الصحية وهم بلا بنية استشفائية. من لا يملك المال لا يملك الحق في العيش. جسد بلا صحة جسد بلا قدرة على المقاومة. سياسة الأجور تواصل التآكل المنهجي للطبقة المتوسطة. الحد الأدنى للأجور ضعيف مُقارنة بتكلفة العيش. الأسعار ترتفع والأجور مجمَّدة. أرباح الشركات قياسية. الطبقة الوسطى تتلاشى. يُطلَب من الشعب الصبر. الاقتصاد لا يصبر. هو اقتصاد يعمل للتراكم، لا للعيش.
الاستثمار الأجنبي يكرس سيادة صغيرة أمام رأس المال الكبير. التصنيع الحقيقي غائب. العمالة رخيصة والحماية الاجتماعية ضعيفة. الأرباح تُهرَّب ونظام المراقبة الضريبية شكلي. العقود تحتجز هامش المناورة. الاقتصاد ينمو للخارج ويفقد صلته بالداخل. المدن الجديدة التي تُقام على إسمنت بلا مجتمع دليل إضافي. مدارس ومستشفيات غائبة. النقل مضعضع. العيش اليومي إرهاق. العمران بِيع قبل أن تُبنى الحياة. هذه ليست مدناً. إنها مساكن بلا روح. فضاءات ربح عقاري لا رؤية اجتماعية.
وحين تتحكم قوى خارجية في الموانئ، وتحتكر اللوبيات المحروقات، وتلتهم الضيعات الماء، وتمسك الديون بالسياسات، تصبح الثقافة هي آخر خط دفاع. إنه الهجوم على الوعي. الإعلام يروّج لأسطورة التنمية ويخفي النهب. الفن يُنزع منه دوره النقدي. التعليم يُفصل عن جذوره. التطبيع يُقدَّم كضرورة جيوسياسية. فلسطين تُحوَّل إلى تفصيل دبلوماسي. الوعي يُعاد تشكيله لقبول التبعية كواقع طبيعي. الثقافة هنا ليست ترفاً. إذا سقطت، سقط كل شيء.
المثقف اليوم أمام مهمة تاريخية. تفكيك هذا النموذج الذي يستنزف الماء والأرض والإنسان. فضح خطاب التنمية باعتباره غطاءً لتبعية مطلقة. كشف العلاقة العضوية بين التطبيع والاستراتيجيات الدولية. الدفاع عن الثروات الوطنية بوصفها سيادة لا موارد للبيع. حماية التعليم من التفكيك. إعادة الاعتبار للثقافة كفعل مقاومة لا كزينة. المثقف الذي يهرب يترك الوطن للهاوية. والمثقف الذي يقاوم يمنح الشعب فرصة أن يكون سيد مصيره.
في الختام، المغرب ليس بلداً فقيراً. هو بلد مُنهوب الوعي. مُسيَّر من الخارج. مُعاد تشكيل اقتصاده وفق مصالح قوى مهيمنة. حين تُمس الموارد، تُمس الحقوق. حين تُمس الحقوق، تُمس الكرامة. حين تُمس الكرامة، يصبح الدفاع عن الثقافة وعن الوعي وعن الذاكرة وعن فلسطين نفسها، هو الدفاع عن المغرب. هذا هو الواقع. هذا هو المغرب اليوم.
Fouad Khamlichi 01/04/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *