أي حرية نريد ...! * بعض الملاحظات حول مفارقات الحرية في سياقها الطبقي و الإنساني :عمران حاضري
أي حرية نريد ...!
* بعض الملاحظات حول مفارقات الحرية في سياقها الطبقي و الإنساني :
* الحرية موضوع كبير ، متشعب و شاسع و محل اختلافات و تناقضات و منازعة بين اليمين و اليسار على حد سواء...! حيث لا يوجد تعريف واحد و موحد لمفهوم الحرية و لعله من أبرز القواعد المتحكمة في المفهوم هي إعادة إنتاجه في كل مرّة وفق سياقات و ظروف محددة و وفق ظروف ذاتية و موضوعية و مقاربات متعلقه بالتناقضات و الأولويات و محدداتها في كل مرّة و كل حدث تاريخي و كل لحظة سياسية...!
* فلو أخذنا على سبيل المثال أفكار "جون لوك" الذي عاش في القرن السابع عشر و الذي ربط الحريات السياسية بحريات الأسواق عندما كانت الرأسمالية "متقدمة" قياساً بالاءقطاع ، حيث لا يجوز اليوم استدعاء لوك لأن الرأسمالية لم تعد ظاهرة "متقدمة" كما كانت إبان الثورة على الإقطاع ، بل ظاهرة هيمنية ، استعمارية تستدعي مواجهتها و الحرص على فك العلاقة بين الحريات السياسية و حريات الأسواق بما يفضي إلى ضرورة ربط الحريات السياسية بالتوازي مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سياقات التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و النهوض العربي و الإنساني الأممي...
*كذلك يمكن القول ، أن قارىء "شيلنغ" و "هيغل" يتلمس تقاربا في تحليلاتهما حول مفهوم الحرية و تحليلات سبينوزا و "لايبنيتز" و "كيرغارت" ... حيث كل هؤلاء يضعون قضية الحرية الإنسانية في نطاق "المطلق" أي إلى حد ما ، في نطاق مفهوم الله عند "الكلاميين" في الغرب كما في الشرق ( عدى بعض الاستثناءات على سبيل المثال ك المعتزلة و الباطنية و بروز بعض النزاعات المادية و العقلانية في التراث العربي الإسلامي ...) لذلك كانت نظرية الحرية عند الألمان بصفة عامة، فلسفة كلامية إنسانية تدور حول الإنسان لا حول "المطلق الالهي" و هذا ما انتبه له فيورباخ... أما ماركس الذي تعارض مع نظرية هيغل في الحرية كما المفهوم الليبرالي لدى كينز الذي ربطها بحرية المبادرة الفردية لحركة السوق حيث أكد على أن الحرية هي فعل في التاريخ و ليست خارج التاريخ ، و "معركة تحرر مستمرة و سعي عقلاني و قصدي" في التاريخ الإنساني...
* ماركس يفرق بين الإنسان المعزول المنطوي على ذاته و بين المواطن "الإنسان الاجتماعي" ، المنخرط في مجتمع إجتماعي سياسي لن يكون معزولا عن سياقه العام و علاقته بالآخرين ، وهذا ما يجعله في انسجام مع طبيعته البشرية التي تمثل أحد الملامح الأساسية في تحديده للحرية و تأكيده على التحرر السياسي صوب التحرر الإنساني...!
فحرية المعتقد لا تمنع الاغتراب الديني كما أن حق العمال في الانتخاب لا يلغي الملكية الخاصة و سطوة المال على السياسة... و المساواة في بعض جوانب السياسة لا تلغي أبدا واقع اللامساواة الاجتماعية ، و تجدر الإشارة هنا أن تبيان ماركس حدود التحرر السياسي لكن ذلك ، لم يمنعه من اعتباره " تقدما عظيماً" صوب التحرر الإنساني ( انظر كراس المسألة اليهودية) و هذا ما لم يستوعبه بعض قصيري النظر من منتقديه في نظرية الحرية مثل حنا ارندت و بعض المفكرين أو بعض ممن يطلق عليهم ب"الفلاسفة التفكيكيين"...!
* فالتحرر الإنساني الذي ينشده ماركس لا يتعارض مع التحرر السياسي و إنما يكمله ... !
* أما تونسيا و في علاقة بالجدل الدائر حول التحفظ على بعض المحاكمات في علاقة بضرورة احترام شروط التقاضي طبقا للمعايير الدولية ذات الصلة ،،، صحيح أن الشعب التونسي لم يجني من ثورته غير المكتملة ، غير خيبة الأمل نتيجة ظروف ذاتية و موضوعية معلومة يطول شرحها ، لكن الثورة لم تنته مهما تعثرت و انكسرت و لن يبتلعها الصندوق الانتخابي و المنصات الالكترونية ، ولن تنتهي إلا بتحقيق مطالبها في الشغل و الحرية والكرامة الوطنية... طالما أن أسباب اندلاعها قائمة بل تفاقمت في ظل الحكومات المتعاقبة حتّى الآن ،،، فمعركة التحرر متواصلة رغم حالات التعثر و السكون و العفوية و التشرذم و غياب التنظم المطلوب و الجماهير الشعبية التي كسرت أغلال الخوف و تلذذت هامش الحرية النسبي لن يقبل بعودة الاستبداد مهما تعثر المسار التحرري... !
ولن يفرط الشعب الكادح في حريته المنجز النسبي الوحيد ، هذه الحرية التي ضحت من أجلها أجيال و بقطع النظر عن مدى فاعليتها في الواقع أو من عدمها ، تحولت إلى معيار المشروعية السياسية و مرجعاً للمطالب و النضالات على اختلافها و تنوعها و القيمة العليا التي تمتحن و تسائل كل المواقف و الأفكار كما الأيديولوجيات و إلى ذلك أساساً في محاولة فهم الاختلافات و التناقضات الراهنة بين اليساريين عموماً في علاقتهم بالسلطة و بالحريات للوقوف على بعض التساؤلات و كذلك الالتباسات بشكل مختزل إسهاما في الجدل الحاصل و خاصةً لما يصنف الخصم على أنه"عدو للحرية"...!
* أولا: إن الحرية ليست شعارا رومنسيا نتغنى به بل فعل في التاريخ و فعالية حيوية نعيشها في معمعان النضال الجماهيري و معركة تحرر مستمرة صوب التحرر الإنساني القيمي... مع ضرورة دمج النضال من أجل الحق في الحرية مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية صوب التغيير الجذري المنشود شعبيا و العدالة الاجتماعية المنشودة في كافة مفرداتها ، في سياقات الصراع الطبقي و التحرر الوطني...!
* ثانياً: الحرية تقوى بتجذير الديموقراطية الشعبية و ليس بقمعها او بضمورها ...!
* ثالثاً: تجاوز الالتباس ذي طابع أخلاقي ، ذلك أن الخاصية الأساسية للحرية كحق على الأقل نظرياً ، تعلو على حسابات الربح والخسارة و التعامل معها كوعاء إنساني قيمي بصرف النظر عن المستفيد ...!
* رابعاً: التعاطي يصبح معقداً و مركبا نسبياً ، عندما يصنف الخصم على أنه "عدو للحرية" علما بأن هذا السؤال كان ولا يزال يؤرق المفكرين الليبراليين و اليساريين على حد سواء في سياقات مختلفة ولا تبدو الإجابة عنه دائما سهلة و منسجمة...! و الأنسب في اعتقادي المتواضع هو تجنب الانساق الاطلاقية و الإجابات القطعية مع تنسيب الأمور بحسب الوقائع أو خطورة الفعل أو الطرف "المعادي للحرية"...! والأهم عدم الخلط بين المطالبة من حيث المبدأ باحترام إجراءات الإيقاف و التقاضي و الحق في محاكمة عادلة و الإقرار بأن هذا التمشي لا يتعارض مع ظاهرة الإفلات من العقاب لكل من ثبت بالوقائع ، عيانيا و بالملموس ضلوعه في جرائم بحق الشعب والوطن قبل الثورة و بعدها خارج عقلية التشفي و الانتقام تحت شعار كل متهم بريء حتى تثبت إدانته...! كذلك مع تجنب الخلط الساذج او بالأحرى المتعمد بين مبدأ الطلب للخصم السياسي الحق في محاكمة عادلة و بين فرضية التحالف معه...!
* خامساً: بالمحصلة الحرية معركة تحرر مستمرة و النضال من أجل الحرية يتوجب دمجها بالألم الشعبي و الاجتماعي الجمعي و أن الحرية مفهوم إجتماعي طبقي وليس مفهوماً هلاميا مجرداً ، يفقد ماهيته الإنسانية القيمية في غياب العلاقات الطبقية و ما يكتنفها من صراع حيث تتناسب مساحة الحرية التي تتمتع بها طبقة معينة تناسبا عكسياً مع مساحة الحرية لدى الطبقة الأخرى المقابلة لها في الصراع الاجتماعي...!
* و بالتالي ليس مطلوباً من اليسار الوطني التقدمي الناهض و الديموقراطي الشعبي أن يختزل نفسه في المعجم الحقوقي على أهميته في مقارعة اي منحى استبدادي او تسلطي وأن يكتفي بما تفعله السلطة أكثر مما يتحتم عليه فعله او أن يكتفي بدور الكومبارس في صراع أجنحة المنظومة التبعية الريعية للثورة المضادة و حطبا في معاركها التي لا مصلحة لعموم الشعب الكادح فيها لكن هذا لا يعني السكوت عن قمع الحريات و ضرورة توفير شرطها الاجتماعي...! بل مناهضتها و التصدي لها بكافة الأشكال النضالية المتاحة و المكفولة دستوريا ...!
* هذه المنظومة التي تلتقي جميعها مهما اختلفت زوايا النظر في نحر الشعب و الوطن على مذبح شهوة الحكم و التسلط كما تلتقي جميع مكوناتها التبعية النيوليبرالية في حرف التناقض الاجتماعي عن جوهره الحقيقي...
*و بالتالي على هذا اليسار الوطني التقدمي الناهض و الديمقراطي الشعبي ، أن يحرص على الانتقال من ردة الفعل إلى الفعل وأن يلعب دوره كمحرك للتغيير الاجتماعي و أن يكون الرافعة السياسية للنضالات الاجتماعية و السياسية و الحقوقية و أن يقود معركة التحرر السياسي صوب التحرر الإنساني و عدم الانحسار في الجانب السياسي على أهميته دون إهمال الجانب الاقتصادي و الاجتماعي حيث يكون النضال من أجل الحرية بالتوازي مع توفير شرطها الاجتماعي و تجاوز العفوية و التشتت و الحرص على بلورة رؤية استراتيجية تقطع مع الخيارات التبعية النيوليبرالية والأهم تنظيم النشاط و توسيع المشاورات و المبادرات التنظيمية الناهضة صوب تشييد قطب تحرري ديموقراطي شعبي ناهض على نفس المسافة من قطب بقايا النظام القديم بمختلف تمثلاته و قطب الاسلام السياسي كما قطب الشعبوية اليمينية المحافظة ، في سياق التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي ...!
* بالمحصلة ، المهم في قضية الحرية أن تبقى موضوع نقاش و نضال و معركة تحرر مستمرة ليس بوصفها تساؤلا أكاديمياً بل بوصفها وعيا للضرورة و قيمة حياتية و وعاءا إنسانياً نابعة من ضرورة حياتية... و مهما تنوعت صور الحرية و مفارقاتها يبقى البحث فيها و تناولها في سياقها الاجتماعي والتحرري الإنساني القيمي ، أفضل وسيلة للاحتفاظ بها على رأس جدول الأعمال لأن الوعي بقضية الحرية و مفارقاتها هو منبع الحرية...!
عمران حاضري
21/5/2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق