جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

من وهم " المنقذ" إلى فعل الشعب :عمران حاضري

 من وهم " المنقذ" إلى فعل الشعب :عمران حاضري

الشخصنة السياسية بوصفها حجابا للتبعية و آفاق التحرر الوطني...!
حين تُهزم الشعوب طويلًا، وتُستنزف مادّيًا ورمزيًا، لا تبحث فقط عن حلول لأزماتها، بل تبحث أيضًا عن معنى يعيد إليها الثقة بذاتها... وفي لحظات الانكسار التاريخي، يتراجع الوعي بالفعل الجماعي المنظم، ويبرز الميل إلى إسقاط الأمل على فرد يُتخيَّل بوصفه "المنقذ" القادر، بإرادة استثنائية، على اختزال تناقضات الواقع وحلّها...!!!
هذه الظاهرة، التي تناولها علم النفس الاجتماعي وسوسيولوجيا الهيمنة، تعبّر عن انتقال الوعي من إدراك الأسباب البنيوية للأزمة إلى التعلّق بصورة شخصانية تعويضية، حيث تصبح السياسة مجالًا للرغبة والانتظار أكثر منها مجالًا للتنظيم والصراع والتغيير...
غير أنّ أزمات المجتمعات العربية، ومنها تونس طبعا ، ليست أزمات أشخاص ولا نقصًا في "القيادة الملهمة"، بل هي تعبير تاريخي عن بنية تبعية كرّست اقتصادًا ريعيًا هشًّا، وخيارات لا شعبية ولا وطنية، وألحقت القرار الاقتصادي والسياسي بمراكز الهيمنة العالمية ومؤسسات التمويل الدولية، وفي مقدّمتها صندوق النقد الدولي، الذي يعتبر آلية للاستعمار الجديد يمارس، دورًا وظيفيًا في إعادة إنتاج التبعية وإخضاع الدول لشروط السوق المعولم... وفي هذا السياق، تتكوّن طغم وسيطة متمثلة في طبقة الكمبرادور ، في تبعية للخارج تحت غطاء الاقتصاد المعولم ، بتعبيرات سياسية تبعية متنوعة ، سواءً بعناوين حداثية تلفيقية مشوهة أو شعبوية يمينية محافظة أو اسلاموية ضالعة في تجارة بالدين،،، تؤدي كلها بحكم تبعيتها و إن اختلفت شكليا ، دور الوكيل المحلي لمصالح الرأسمال العالمي، وتحافظ على أنماط إنتاج واستهلاك ريعي ، خدمي لا تُنتج السيادة ولا العدالة، بل تعيد إنتاج التفاوت والتهميش و التمييز الطبقي و فقدان القرار الوطني...
ومن هذا المنظور، تصبح الشخصنة السياسية شكلًا من أشكال الوعي الزائف؛ إذ تُقدَّم الأزمة كما لو كانت قابلة للحل عبر استبدال الأفراد، لا عبر تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تولّدها... ويغدو ما يسوق له "كمنقذ" قناعًا أيديولوجيًا يحرف التناقض عن جوهره و يحجب الصراع الحقيقي بين مشروع تبعي يعمّق الارتهان ، ومشروع وطني تحرري ديمقراطي شعبي يسعى إلى بناء اقتصاد منتج، مستقل، قادر على خلق الثروة والقيمة المضافة، وعلى فكّ الارتباط بمنطق الهيمنة والتبعية...
ولأنّ القوى الإمبريالية لا ترى في الأطراف سوى فضاءات لمراكمة مصالحها و نهب ثرواتها، فإنها لا تتردد في التدخل المباشر أو غير المباشر لتوجيه الخيارات السياسية، وتسويق شخصيات أو نخب منسجمة مع شروطها، في انتهاك واضح لسيادة الشعوب وحقها غير القابل للتصرف في تقرير مصيرها...
إن هذا التدخل السافر لا يعكس بطبيعة الحال، "قوة" تلك الشخصيات و "كفاءتها" و "قدرتها" على تخطي الأزمة العميقة ، بقدر ما يكشف حدودها البنيوية، إذ تستمد مشروعيتها من الخارج و من الطبقة الكمبرادورية المهيمنة في المجتمع ، أكثر مما تستمدها من الإرادة الشعبية المنظمة...!
بالتالي فإن التحرر الحقيقي لا يُنجزه فرد مهما بلغت قدراته، بل تصنعه شعوب كادحة مسنودة بالاطياف الوطنية التقدمية الناهضة ، تستعيد ثقتها بذاتها، وتحوّل وعيها من انتظار الخلاص إلى ممارسة الفعل التاريخي...!
فالديمقراطية الشعبية ليست تفويضًا عاطفيًا لشخص، بل بناءٌ جماعي للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية... و معركة تحرر مستمرة و فعل عقلاني قصدي في التاريخ... وعندما تتوقف الشعوب عن إنتظار " المنقذ" ، تبدأ في إكتشاف قدرتها على صنع التاريخ... و تدرك أن المنقذ الحقيقي كامن في قدرتها على التنظيم والإنتاج والمقاومة،،، و بالتالي تنتقل من موقع موضوعٍ للتاريخ إلى موقع فاعلٍ فيه، وتفتح أفق التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي بوصفهما مشروعًا تاريخيًا تصنعه الإرادة الشعبية الحرة و النخب الحداثية الديموقراطية الشعبية المنتصرة للمبادىء الإنسانية القيمية و العقل و التاريخ...
عمران حاضري
16/5/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *