جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

فاضمة أوحرفو.. جميلة الأطلس وبطلة بلا مجد من ذاكرة إملشيل

 فاضمة أوحرفو.. جميلة الأطلس وبطلة بلا مجد من ذاكرة إملشيل

الاسم الشخصي والعائلي: فاضمة أوحرفو / وحرفو
مسقط الرأس: قصر السونتات، جماعة بوزمو، منطقة إملشيل، الأطلس الكبير الشرقي
تاريخ ومكان الاختطاف: مارس 1973، من بيت أسرتها بالسونتات
تاريخ الاستشهاد: 20 دجنبر 1976
مكان الاستشهاد والمدفن: المعتقل السري السابق بأكدز، إقليم زاكورة حاليا
المبتدأ: حين صارت الضيافة تهمة
لم تكن فاضمة أوحرفو تحمل سلاحا حين اقتيدت من بيتها بقصر السونتات، في أعالي الأطلس الكبير الشرقي. لم تكن قائدة تنظيم، ولا اسما بارزا في نشرات السياسة، ولا وجها من وجوه المدن التي كانت تكتب تاريخها بالصخب والبيانات. كانت امرأة من الهامش العميق، من قرية بعيدة، ومن بيت أمازيغي بسيط يعرف معنى البرد، ومعنى الكانون، ومعنى أن يفتح الباب لعابر أو مطارد أو ضيف.
لكن في مغرب السبعينيات، زمن الجمر والرصاص، كان البيت نفسه قد يتحول إلى ملف، والضيافة إلى شبهة، والمرأة القروية إلى جسد معاقب باسم الدولة. هكذا خرجت فاضمة من دفء السونتات إلى برودة المعتقلات، ومن ذاكرة الأسرة إلى ذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الادميين، لتصير واحدة من تلك الوجوه التي لم يمنحها التاريخ الرسمي ما تستحق من الضوء، رغم أن حكايتها تختصر مأساة منطقة كاملة.
فاضمة أوحرفو، التي وصفت في الذاكرة المحلية بـ“جميلة الشهداء”، لم تكن مجرد ضحية فردية. كانت ابنة أسرة ومنطقة دفعتا ثمنا قاسيا على خلفية أحداث مارس 1973، المعروفة بأحداث مولاي بوعزة. في تلك المرحلة، لم يكن العقاب يتوقف عند حدود المشتبه فيهم أو المطاردين، بل كان يمتد إلى العائلات والقرى والنساء، كأن السلطة أرادت أن تؤدب الجغرافيا كلها، لا الأشخاص وحدهم.
مسار المحنة: من السونتات إلى أكدز
في مارس 1973، اقتحمت دار الأسرة بقصر السونتات من طرف قوات مشتركة من الدرك والجيش والقوات المساعدة. اقتيدت فاضمة رفقة والدتها وأخيها الصغير، في مشهد سيبقى محفورا في ذاكرة المنطقة، لا بوصفه حادث اعتقال فقط، بل بوصفه بداية اقتلاع كامل من الحياة العادية.
احتجزت فاضمة وأمها وأخوها أولا في عين المكان، ثم نقلوا إلى سجن بوزمو قرب إملشيل، حيث قضوا أياما تحت وطأة التحقيق والترهيب وبرد المنطقة القارس. وبعد إطلاق سراح الأم والأخ، استبقيت فاضمة وحدها، وكأن المقصود لم يكن فقط البحث عن معلومة، بل كسر معنى ما: معنى البيت، ومعنى القرية، ومعنى المرأة التي لم يكن لها من ذنب سوى أنها وجدت في قلب زمن لا يرحم.
من بوزمو، بدأت رحلة الاختفاء الطويلة. نقلت فاضمة إلى الكوربيس بكلميمة، ثم إلى درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، ذلك الاسم الذي ظل في ذاكرة المغاربة مرادفا للرعب والتحقيق السري والتعذيب. وبعدها انتهت الرحلة في المعتقل السري السابق بأكدز، بين جدران قصبة طينية في الجنوب الشرقي، حيث كان الصمت جزءا من هندسة المكان، وحيث كان النسيان يدار كما تدار الملفات.
هناك، في أكدز، عاشت فاضمة عزلة قاسية عن العالم. لا خبر يصل إلى أهلها، ولا وداع يطمئن أمها، ولا أثر يسمح للقرية بأن تعرف هل ابنتها حية أم صارت في عداد الغائبين. وفي الوقت الذي كانت فيه الإشاعات تنسج لتشويه الحقيقة أو طمسها، كانت فاضمة تواجه مصيرها في واحد من أكثر فصول التاريخ المغربي قتامة.
في 20 دجنبر 1976، انتهت حياة فاضمة أوحرفو داخل المعتقل السري السابق بأكدز. دفنت في مقبرة أكدز بعيدا عن مسقط رأسها، وبعيدا عن حضن أمها، وبعيدا عن طقوس الوداع التي يستحقها كل إنسان. هكذا تحولت ابنة السونتات إلى قبر في الجنوب، وإلى سؤال مفتوح في ذاكرة إملشيل.
فاضمة في ذاكرة الهامش
لا يمكن قراءة حكاية فاضمة أوحرفو خارج سياقها السياسي والإنساني. فهي تنتمي إلى زمن كانت فيه أحداث مارس 1973 لحظة مفصلية في علاقة الدولة بالمعارضة، وبالقرى التي وضعت تحت الاشتباه، وبالعائلات التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة آلة أمنية لا تميز بين الفاعل والقريب، ولا بين الحامل للسلاح والحامل لذاكرة البيت.
ومن هنا تأتي أهمية استحضار كتاب “أبطال بلا مجد: فشل ثورة 1963-1973” للمهدي بنونة، لا باعتباره فقط كتابا عن تجربة سياسية فشلت في تحقيق أهدافها، بل باعتباره مفتاحا لفهم زمن كامل ابتلع أسماء كثيرة، وترك وراءه نساء ورجالا وأسرى ومختفين لم ينالوا حتى حقهم في المجد الرمزي. كانت فاضمة واحدة من هؤلاء: بطلة بلا مجد، أو بالأحرى شاهدة على أن التاريخ حين يكتب من فوق، كثيرا ما ينسى الذين دفعوا الثمن من تحت.
أما كتابات وشهادات لحسن آيت لفقيه، فقد أعادت فاضمة إلى مكانها الطبيعي داخل ذاكرة إملشيل. لم يقدمها كرقم في لائحة الضحايا، بل كوجه من وجوه المنطقة، وكامرأة عوقبت لأن بيتها صار، في لحظة تاريخية قاسية، موضع شبهة. ومن خلال هذا الاستحضار، لا تبدو فاضمة مجرد ضحية للتعذيب والاختفاء، بل ضحية لمنطق أوسع: منطق يعاقب الهامش لأنه هامش، ويعاقب المرأة لأنها الحلقة الأضعف في سلسلة الانتقام.
لقد كانت مأساة فاضمة مأساة أسرة أيضا. فالعائلة، بحسب الشهادات المحلية والحقوقية، عاشت بدورها فصولا من التنكيل والأحكام القاسية والاقتلاع. لذلك لا يمكن اختزال حكايتها في لحظة الاختطاف أو تاريخ الاستشهاد فقط. إنها جزء من جرح جماعي أصاب السونتات وإملشيل ومناطق الأطلس الكبير الشرقي، حيث لم تكن سنوات الرصاص مجرد عنوان وطني كبير، بل كانت خوفا يوميا، وطرقات أبواب في الليل، وأمهات ينتظرن أبناء وبنات لا يعودون.
الأرشيف والإنصاف: ذاكرة لم تكتمل
وثقت هيئة الإنصاف والمصالحة مسار اختطاف فاضمة أوحرفو واحتجازها ووفاتها، فأخرجت اسمها من دائرة الصمت الرسمي إلى دائرة الاعتراف الحقوقي. غير أن الاعتراف، مهما كان مهما، لا يكفي دائما لترميم الذاكرة. فالإنصاف لا يكتمل بمجرد تسجيل الاسم في تقرير، ولا بمجرد تحديد تاريخ الوفاة ومكان الدفن. الإنصاف الحقيقي هو أن تتحول الذاكرة إلى فعل، وأن يعود الاسم إلى المدرسة، والقرية، والكتب، والفضاء العام.
في هذا السياق جاءت “قافلة المصالحة: فاضمة أوحرفو”، التي ربطت بين مسقط رأسها بإملشيل ومدفنها بأكدز، محاولة إعادة الاعتبار لامرأة طواها التهميش المزدوج: تهميش كونها امرأة، وتهميش كونها ابنة منطقة بعيدة عن مركز القرار والضوء. حملت القافلة معها معنى رمزيا عميقا: أن الطريق بين السونتات وأكدز ليس مجرد مسافة جغرافية، بل مسار ذاكرة ينبغي أن يقطع كي لا يبقى الموتى وحدهم في الطريق.
غير أن هذا المسار ظل، في نظر كثيرين من أهل المنطقة وفاعلي الذاكرة، إنصافا ناقصا. فبحسب ما تطرقت إليه كتابات وشهادات لحسن آيت لفقيه، ظل ملف فاضمة محاطا بكثير من الغموض، وظلت بعض الالتزامات الرمزية، ومنها إطلاق اسمها على مؤسسة تعليمية بالمنطقة، معلقة بين الوعود والمراسلات. وهنا يظهر وجه آخر من وجوه الجرح: أن تنتزع الضحية من النسيان للحظة، ثم تترك من جديد في نصف اعتراف ونصف صمت.
إن الأموال والتعويضات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمصالحة الذاكرة. فهناك جراح لا ترممها الأرقام، وغيابات لا تعوضها المقررات الإدارية. ما تحتاجه فاضمة، وما تحتاجه إملشيل معها، هو أن يحكى هذا التاريخ بوضوح، وأن يدرس، وأن يسمى باسمه، وأن تجد الأجيال الجديدة في أسماء مثل فاضمة أوحرفو معنى الكرامة لا مجرد أثر بعيد من زمن الخوف.
الخاتمة: بطلة بلا مجد، وذاكرة لا تنحني
تشبه حكاية فاضمة أوحرفو تلك الحشرة المباركة في الموروث المحلي للأطلس، نخلة مباركة تشبه “تالغمت نبابا ربي”، في بركاتها لكنعا النخلة البرية التي تمنح العسل رغم قسوة الأرض ومرارة العيش. ففي سيرتها شيء من هذا المعنى: امرأة خرجت من قرية باردة وفقيرة، لكنها تركت في الذاكرة عسلا مرا؛ عسلا لا يذاق حلاوة، بل يذاق سؤالا عن العدل والكرامة والإنصاف.
لم تكن فاضمة هامشا في تاريخ الرجال المسلحين، ولا اسما ثانويا في حاشية أحداث مارس 1973. كانت شاهدة على أن القمع، حين يعجز عن القبض على الفكرة، ينتقم من البيت؛ من الأم، من الأخت، من القرية، ومن الذاكرة. وكانت شاهدة أيضا على أن النساء في زمن الجمر والرصاص لم يكن مجرد قريبات للمناضلين أو ضحايا جانبيات، بل كن في قلب المحنة، يدفعن الثمن كاملا، ثم يطلب منهن بعد ذلك أن يصمتن.
ستظل فاضمة أوحرفو، جميلة الأطلس وبطلة بلا مجد من ذاكرة إملشيل، اسما يقاوم النسيان. ستظل ابنة السونتات التي عبرت بوزمو وكلميمة ودرب مولاي الشريف وأكدز، لا لتصير رقما في أرشيف الانتهاكات، بل لتصير وجها من وجوه المغرب الذي تألم كي يتعلم معنى الحقوق.
وإذا كان قبرها في أكدز شاهدا على ما جرى، فإن ذاكرتها في إملشيل تظل شاهدة على ما لم يكتمل بعد: إنصاف ينتظر أن يتحول إلى تسمية مدرسة، وإلى درس في التاريخ، وإلى اعتراف صريح بأن هذا الوطن لم تبنه المؤسسات وحدها، بل بنته أيضا دموع الأمهات، وصبر القرى، ونساء عبرن العتمة ولم ينحنين. منقول



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *