جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

كلمات .. في وداع القائد الفدائي الكوفي؛ امحمد التوزاني* أحمد ويحمان

 كلمات

.. في وداع القائد الفدائي الكوفي؛ امحمد التوزاني
────────────
*بالأحمر كفّناه.. بالأسود كفّناه.. بالأبيض كفّناه.. بالأخضر كفّناه..*
أحمد ويحمان ×
بمقبرة الرحمة بمدينة الدار البيضاء، وارينا ظهر يومه السبت 16 ماي، الثرى، واحداً من آخر الرجال الذين عبروا هذه الحياة بأقدام ثابتة وقلوب مشتعلة بالإيمان بقضايا الشعب و الأمة والناس وكل المستضعفين؛ الثائر الفدائي امحمد التوزاني، أو “خالد” كما عرفته سنوات السرية والمنفى والمقاومة. نزل إلى لحده مسجّى بالعلم الفلسطيني والكوفية الفلسطينية، لا باعتبارهما مجرد قماشين يرمزان لقضية "بعيدة"، وإنما باعتبارهما اختزالاً مكثفاً لحياته كلها؛ حياةٍ عاشها مقتنعاً بأن فلسطين ليست مجرد أرض محتلة وجب تحريرها من المحتل، وإنما هي المعركة الكبرى ضد الاستبداد والفساد والصهيونية والإمبريالية وكل مشاريع الهيمنة والتفتيت والاستتباع. ولذلك، لم يكن غريباً أن يرحل الرجل كما عاش؛ ملتحفاً فلسطين، محمولاً على أكتاف رفاقٍ ما تزال أعمارهم معلقة هناك، بين غور الأردن والجولان والزبداني وغزة والقدس والرباط والدار البيضاء .. وكل تضاريس المغرب والوطن العربي .
كان الفقيد واحداً من أقرب المساعدين للقائد والناطق الرسمي باسم المقاومة وجيش التحرير ورمز الاختيار الثوري داخل الحركة الاتحادية؛ المعارض الكبير محمد الفقيه البصري. وكان من الوجوه الأساسية التي أشرفت على معسكر الزبداني بسوريا، حيث تهيأت مجموعات الفدائيين المغاربة والعرب للعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة انطلاقاً من غور الأردن والجولان السوري المحتل، في نهاية الستينات وبداية السبعينات.
هناك .. في تلك المرحلة التي كان فيها الحلم العربي مشتعلاً، عاش الرجل مع ثلة من الرفاق الذين استشهد بعضهم هناك، بينما استشهد بعضهم الآخر هنا، بعد العودة، في سياقات الحرب ضد الحكم الفردي المطلق حيث أطلقت أيادي الجلادين في رقاب المغاربة بالاغتيالات والاختطافات والقمع وأيادي الفاسدين في مقدرات البلاد بالنهب والترامي خلال سنوات الرصاص والريع؛ رفاق ٌمن أمثال الشهيد الحسن آيت عمي، ورفاق جماعة الشهيد " عمر دهكون ومن معه " من الذين أُعدموا في تلك السنوات الثقيلة من تاريخ المغرب، والشهيد الحسين المانوزي ومنهم أيضاً من عاد من الموت ليحيا ويغني ويكتب ويواصل النضال ويشهد على زمن النار . رحم الله فقيدنا أحمد بنجلون والقاضي وغيرهما، وبارك في عمر من تبقى من أولئك الرجال، من أمثال سي عبد الله المالكي “فرزات”، والبشير الزين النجار “موسى”، قائد كوماندو إملشيل ومحمد بنونة ( محمود) قائد كوماندو أملاغو... رحم الله جميع من استرخصوا أرواحهم وشبابهم وراحة واستقرار عائلاتهم من أجل وطنهم وشعبهم ...
.. وقليلون من يعرفون أن هذا الثائر الصلب، الذي التصقت صورته بالبندقية والكوفية والمنفى والعمل السري، لعب أدواراً كبيرة في الإعلام والثقافة والفكر، معظمها ظل بعيداً عن الأضواء. فقد كان من أطر إذاعة “صوت التحرير” التي كانت تبث من طرابلس الغرب بليبيا، والتي تحولت وقتها إلى منبر شعبي واسع التأثير داخل المغرب والمنطقة المغاربية، وإلى نافذة يومية للمقاومين والمعارضين والحالمين بالتغيير. كما أن قلة قليلة تعرف أن امحمد التوزاني كان وراء تنفيذ مشروع ترجمة واحد من أكثر الكتب تأثيراً في النخبة المغربية منذ نصف قرن؛ كتاب “أمير المؤمنين والنخبة السياسية بالمغرب” لصاحبه جون واتربوري، وذلك بتكليف مباشر من الفقيه البصري، حيث سهر على التعاقد مع صديقه الراحل هو الآخر هنا قبل أسابيع قليلة، الجامعي الكبير المناضل عبد الغني أبو العزم، لإنجاز تلك الترجمة التي شغلت الأوساط الفكرية والسياسية طويلاً..
كان الفقيد ثائراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ شجاعةً وإقداماً ونبل أخلاق وصرامةً وجدّية. وكان حين يغضب، يغضب من موقع الحرص على الفكرة والموقف لا من موقع الأنانية أو الحسابات الصغيرة. قبل حوالي عشرين سنة، دخلنا معاً في إضراب غير محدود عن الطعام داخل مبنى الخزينة العامة، احتجاجاً على عرقلة تسوية وضعيتينا بوزارة المالية، رغم التسوية الإدارية، بما كان يفيد أن القرار سياسي استخباري أكثر مما هو إداري. يومها، فتح الخازن العام بالتكليف باب الحوار منذ الساعات الأولى وبدأت بوادر الحل، فعدنا إلى البيت رفقة السيدة التي استغربت حدّة النقاش التي كانت تدور بيننا طوال الوقت، دون أن تنتبه أن تلك الحدة نفسها كانت تنتهي دائماً، كما في كل مرة، بضحكات عالية وقهقهات رفاقية ملؤها الصدق والمحبة أعمق من كل حساب مرتبط برأي أو وجهة نظر عابرة، قهقهات لا تنفك تعقب كل اشتباكاتنا، سواء في بيتي بالرباط أو في بيت رفيقنا المشترك وصهره وقتها؛ المناضل عزيز لطرش.
وقد جمع الراحل بعضاً من تجربته في كتابه “الثورة التي لم تكتمل”، وهو كتاب ناقش معي فكرته منذ بدايات المشروع، وكان كلما زارني بالبيت عدنا إلى الغوص في تفاصيله ومضامينه؛ نتفق كثيراً ونختلف أحياناً، لكننا كنا نعود دائماً إلى استحضار التجارب الكبرى لجيل كامل من الحالمين بالتغيير، ومنهم رفاقه و تجربتهم التي تناولها كتاب المهدي بنونة، ابن رفيقه الشهيد محمد بنونة “محمود”، قائد كوماندو كولميمة/أملاغو. ( أبطال بلا مجد ) .. وكذا تجارب الكتابات السابقة والموازية لها في نفس مضمار الصراع في المغرب وآثارها ورهاناته بين مختلف أطرافه ككتابات ضحايا تازمامارت التي شهدت فصولا من نقاشاتها الأولى في ذات أركان البيت وذات الصخب قبل أن ترى النور ..
كان الرجل يحمل ذاكرة ثقيلة، مليئة بالأسماء والخيبات والانتصارات الصغيرة والكبيرة، لكنه ظل حتى آخر أيامه مؤمناً أن ما لم يكتمل بالأمس، قد تكمله الأجيال القادمة إذا حافظت على المعنى وعلى البوصلة، رغم أن الخيبة تعاظمت عليه بعد الهجمة الأخيرة للصهيونية وللمناولين ( العطاشة )لدى أجندتها .
*آخر الكلام*
يرحل اليوم امحمد التوزاني، لكن جيلاً كاملاً يرحل معه قطعةً قطعة. يرحل زمن الرجال الذين حملوا فلسطين فوق ظهورهم، لا في الشعارات وحدها. يرحل واحد من الذين لم يبدلوا ولم يساوموا ولم يتحولوا إلى تجار ذاكرة أو محترفي خطابة. يرحل “خالد” تاركاً وراءه سيرةً ثقيلة من النضال والصبر والمنفى والكفاح والوفاء، وتاركاً كذلك سؤالاً موجعاً: ماذا بقي من ذلك الحلم الكبير الذي عاشوا من أجله، واستشهد بعضهم في الطريق نحوه؟
رحم الله القائد الفدائي الكوفي؛ امحمد التوزاني.
على العهد يا خالد… على درب الشهداء.
ملحوظة :
+ مع إنهاء عمود اليوم قدم رفيق المرحوم، المناضل أحمد الطالبي شهادة غاية في الأهمية .. ومما كشف عنه الطالبي ان التوزاني هو من أوقف حمام الدم في البلد بعيد أحداث 3 مارس 1973، وهي شهادة من عمق العمل السري وملابساته التي لم تستكشف بعد .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *