جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

إبراهيم أوشلح … سيرة جيل بين وهم الثورة ومراجعة الذاكرة في المغرب

إبراهيم أوشلح … سيرة جيل بين وهم الثورة ومراجعة الذاكرة في المغرب

 يقرأ المعارض المغربي إبراهيم أوشْلح تجربة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 باعتبارها لحظة سياسية محكومة بلغة الرموز وحسابات التفاوض أكثر مما هي انتقال ديمقراطي مكتمل الأركان. ففي النسخة العربية من كتابه التزام جيل وذكرى النضال 1964 1994.. من أجل سيادة أمة الصادر عن دار توبقال للنشر، بترجمة نور الدين السعودي و**عبد القادر الشاوي**، يذهب إلى أن تلك التجربة لم تُحدث قطيعة بنيوية مع آليات الحكم الموروثة، بل أعادت ترتيب العلاقة بين السلطة والمعارضة داخل الإطار ذاته.

الكتاب ليس سيرة شخصية بالمعنى الكلاسيكي، ولا دراسة تاريخية محكومة بأدوات البحث الأكاديمي الصارمة؛ إنه نصّ ذاكرة يزاوج بين الشهادة السياسية والاسترجاع الذاتي. يكتب أوشْلح من موقع الفاعل لا المؤرخ، مدركاً حدود الذاكرة ومشروطيتها، ومؤكداً أن تجربته ليست سوى شظية من تجربة جماعية عاشها جيل بكامله، من لحظة الاستقلال إلى زمن ما اصطلح عليه بـ“سنوات الرصاص”. ومنذ الصفحات الأولى، يعلن حذره من غواية السرد الذاتي، لكنه يبرر الكتابة بوصفها التزاماً أخلاقياً تجاه رفاق غيّبهم الموت أو النسيان، وتجاه أجيال لم تعايش تلك التحولات الحاسمة. ما يقدّمه، كما يصرّ، هو “رواية تجربة” لا “حقيقة نهائية”، وشهادة تطالب بحقها في الوجود دون ادعاء العصمة.

صدمة 1965… انكسار الثقة

تحتل أحداث 23 مارس 1965 موقع اللحظة المؤسسة في وعي الكاتب. لا يستعيدها باعتبارها اضطراباً عابراً، بل كمنعطف أنهى وهم الإصلاح التدريجي. منذ تلك الواقعة، كما يرى، انتقلت الدولة من منطق السياسة إلى منطق القوة، وتحولت الجامعة من فضاء للنقاش إلى فضاء للصمت. لم يكن الأمر متعلقاً بعدد الضحايا بقدر ما كان كسراً في الثقة والأفق. من هنا بدأ الافتراق الجذري: لم يعد الخلاف مع النظام اختلافاً داخل إطار مشترك، بل قطيعة مع تصور كامل لطبيعة الحكم.

ويتعمق هذا الإحساس مع اغتيال المهدي بن بركة، الذي يقدّمه المؤلف بوصفه لحظة إغلاق لأفق سياسي بأكمله. فالحدث لم يكن، في نظره، مجرد جريمة سياسية، بل إعلاناً عن انتقال الصراع إلى منطقة معتمة، حيث تتوارى السياسة خلف آليات التصفية. اختطاف معارض في قلب أوروبا أسقط أوهام الحماية القانونية والشرعية الدولية، ورسّخ قناعة بأن الحدود لم تعد ملاذاً آمناً.

العمل المسلح… بين الضرورة والوهم

ضمن هذا الانسداد، يفسّر أوشْلح اللجوء إلى العمل المسلح كخيار اضطراري في وعي الفاعلين آنذاك، لا تعبيراً عن نزعة رومانسية. كان الإحساس السائد أن السياسة أُغلقت أبوابها، وأن “الشرارة” قد تعوض اختلال ميزان القوى. غير أن الكاتب، من موقع المراجعة، يعترف بأن هذا الرهان بالغ في تقدير الرمز واستهان بتعقيد البنية الاجتماعية. لقد جرى، كما يقول، استحضار نماذج ثورية خارجية دون تمحيص كافٍ لخصوصية الواقع المغربي.

في هذا السياق، تتصدر شخصية الفقيه البصري بوصفها العقل المنظم للخيار الثوري. يقدمه الكتاب قائداً واسع الاطلاع، يرى المغرب جزءاً من معركة تحرر كونية. غير أن هذا الأفق الأممي، رغم ما وفره من زخم، كان يحمل بذور مأزقه؛ إذ سهّل إسقاط تجارب الآخرين على واقع مغاير الشروط.

وتتجلى تعقيدات هذا المسار في شبكة العلاقات الإقليمية. فالعلاقة مع معمر القذافي في ليبيا بدت تحالف ضرورة تحكمه تقلبات الزعامة أكثر مما تؤطره استراتيجية ثابتة. أما الصلة مع طارق عزيز في العراق فكانت محكومة بحسابات سياسية باردة، حيث جرى التعامل مع المعارضة المغربية كورقة في لعبة توازنات. وفي الجزائر، استعاد المؤلف تجربة المنفيين الذين وجدوا أنفسهم على هامش الثورات التي شاركوا في صنعها، في مفارقة تكشف التوتر الدائم بين خطاب الثورة ومنطق الدولة.

كما تحتل الثورة الفلسطينية موقعاً مركزياً في المخيال الثوري لذلك الجيل، بوصفها مختبراً للكفاح المسلح. غير أن أوشْلح يدرج مراجعة نقدية، معتبراً أن الإعجاب بالتجربة الفلسطينية قاد أحياناً إلى إسقاطات غير محسوبة، تجاهلت اختلاف السياقات والبنى.

1973… لحظة المراجعة

تأتي أحداث مارس 1973 في الأطلس كلحظة اختبار حاسم. يعترف المؤلف بفشل تلك المحاولة المسلحة، لا من زاوية عسكرية فحسب، بل بوصفها إخفاقاً في قراءة المجتمع. “الخوف كان أعمق من الغضب”، كما يقرّ، في اعتراف يلخص مراجعة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. قرار وقف العمل العسكري في صيف العام نفسه يُقدَّم كبداية تحوّل فكري، وإدراك متأخر لحجم الكلفة التي دفعها أفراد لم يختاروا هذا المسار.

أما محاولتا انقلاب 1971 و1972، فيراهما دليلاً على تصدّع داخلي في بنية النظام، لكنه تصدّع لم يُفضِ إلى إصلاح، بل إلى مزيد من الانغلاق. ويستعيد حرب الرمال سنة 1963 كجرح وجداني مبكر لجيل حلم بوحدة مغاربية، قبل أن يكتشف أولوية منطق الدولة الوطنية على الشعارات.

العودة… تسوية مع الذاكرة

قرار العودة إلى المغرب عام 1994 بعد العفو العام لا يُصوَّر كانتصار، بل كتحرر من منفى طال أكثر مما ينبغي. العودة، في نظره، لم تكن محواً للماضي، بل تعايشاً معه، ودخولاً في مسار مصالحة يعترف بالجراح دون أن يدّعي طيّها.

بهذا المعنى، يقدّم الكتاب شهادة جيل عاش التحولات الكبرى من الأمل إلى الانكسار، ومن الراديكالية إلى المراجعة، دون أن يتنكر لتاريخه أو يتبرأ منه. إنه نصّ يوازن بين الاعتراف والنقد، بين الدفاع عن حق الشهادة والإقرار بحدودها، واضعاً القارئ أمام سردية سياسية لا تزعم امتلاك الحقيقة، لكنها تصر على أن الذاكرة، مهما كانت مثقلة، تظل شرطاً لفهم الحاضر.


عن موقع



هناك تعليق واحد:


  1. كلمة إبراهيم أوشلح أثناء لقاء أحداث 3 مارس 1973 بتاريخ 03/03/23
    https://www.youtube.com/watch?v=zxaXd3hKTSI

    ردحذف

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *