حكاية نضالٍ عمّالي؛كتبتها النساء بصبرٍ لا يلين
حكاية نضالٍ عمّالي؛كتبتها النساء بصبرٍ لا يلين
تروي لنا أمينة أنها عملت في مصنع “سيكوم” لأكثر من ثلاثين عامًا، وأن الغالبية العظمى من العاملات والعاملين لديهن سنوات خدمة تتجاوز الـ 35 عامًا، وبدأوا العمل وهم قُصر. تقول: “لقد عملنا هنا منذ السبعينيات، ومعظمنا عمل بين عشرين وثلاثين عامًا”. لكن ما كان يبدو علاقة عمل مستقرة وطويلة الأمد، اتخذ منحى دراماتيكيًا عندما اكتشفت العاملات أنهن فقدن حقهن في التغطية الصحية والتأمين الاجتماعي. تشرح أمينة قائلة: “بدأنا ندرك أن هناك مشكلة عندما أرادت إحدى العاملات، التي كانت تعاني من مشاكل صحية، الاستفادة من حقوقها في التغطية الصحية. وعندها اكتشفت أنها كانت محرومة من حقوقها”.
في عام 2017، عندما تم بيع المصنع، اضطررنا لمواجهة أشهر من الرواتب غير المدفوعة ووضع لم نعد نتمتع فيه بأي ضمانات لحقوقنا
بعد استحواذ المستثمر المغربي على الشركة في 2016، كان الأمل في إنقاذ مصنع “سيسوميك” ينبثق من شراكة مع شريك أجنبي متخصص في صناعة الملابس. ولكن، كما جرت العادة في الكثير من القصص المأساوية، بدأ هذا الحلم ينهار بسرعة. كانت التحديات أكبر من التوقعات، وبدأت الخيوط تتفكك بسرعة، ليتخلى المستثمر المحلي عن المشروع، ثم يغادر الشريك الأجنبي، تاركًا وراءه مصنعًا مغلقًا وفوضى اجتماعية لا يمكن إصلاحها.
في عام 2018، تم إغلاق أبواب المصنع بشكل نهائي، وعادت مئات العائلات إلى الشوارع، تائهة بين مطالباتها بحقوقها المفقودة. كانت تلك لحظة مريرة للعاملات اللواتي أفنين سنوات من حياتهن في جدران المصنع. لم يكن هذا الاغلاق مجرد نهاية لوظائفهن، بل كان اختفاء لآمالهن في مستقبل أفضل. تركت الإدارة الفاشلة المصنع غارقًا في الديون والوعود الكاذبة، دون أدنى شعور بالمسؤولية.
كانت اللحظة الأكثر إيلامًا هي عندما اكتشفن أن الحقوق التي طالما حلمن بها لم تكن إلا سرابًا. في البداية، اعتقدن أن المستقبل سيكون مشرقًا بعد الشراكة الجديدة، لكنهن سرعان ما اكتشفن أن الأبواب تغلق أمامهن، وفي وجوههن، كانت تُسدل الستائر على أحلامهن.
رغم أن الشركة استفادت من دعم مالي عام بلغ 4 ملايين درهم، تم تقسيمه بين بلدية مكناس والجهة، إلا أن هذا الاستثمار لم يكن كافياً لإنقاذ الشركة التي غمرتها الديون، بما في ذلك متأخرات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المكتب الوطني للكهرباء والماء، الضرائب، والمقرضين البنكيين. إن الإدارة الفاشلة للمصنع قادت إلى نزيفه البطيء، مما أسفر عن فقدان أكثر من 500 عاملة لوظائفهن، محرومات من أي تعويضات أو حقوق اجتماعية.
«لقد تم خيانتنا من قبل النقابة التي وضعنا فيها كل ثقتنا»
تتذكر أمينة، بكثير من المرارة، الخيانة والظلم الذي شعرت به ليس فقط من مسؤولي المصنع، بل أيضاً من النقابة التي كانت تنتمي إليها لعقود. تقول: «لقد تم خيانتنا من قبل النقابة التي وضعنا فيها كل ثقتنا». وفقاً لها، قدمت النقابة وعودًا كاذبة ولم تتخذ إجراءات فعّالة لحل مشكلاتهم. «قالت لنا النقابة إن كل شيء سيتم حله، وأن حقوقنا ستكون محفوظة، وأنه لن تكون هناك أي مشاكل، لأننا كنا نتمتع بالحماية. ولكن في النهاية، تركونا في الظلام»، تصرح أمينة بإحباط.
كانت النقابة قد نصحتهن بالثقة في “حماية” المادة 19، مؤكدة لهن أن الأمور ستسير على ما يرام. ولكن هذه الوعد لم يتحقق، واستمرت العاملات في نضالهن بمفردهن، في صمت تام من جميع الأطراف.
«منذ تسعة أشهر، ونحن نواصل الاعتصام هنا، يومًا بعد يوم، ليلًا بعد ليل، أمام فندق صاحب المصنع. لكل منا دور، لكل منا مهمة. نضالنا مستمر، منظم ديمقراطيًا، نتناقش، نتخذ قراراتنا معًا، وننفذها معًا. لا أسرار بيننا، لا قرارات تُتخذ خارج دائرة توافقنا
مرَّت تسعة أشهر منذ أن بدأ الاعتصام والمخيم الليلي أمام هذا الفندق الذي يملكه صاحب المصنع، تسعة أشهر والعمال في الشوارع، بعيدين عن دفء منازلهم. «نحن نؤمن بشدة بشرعية نضالنا، نضال لاسترجاع ما سُلب منا. هذا الظلم مزق عائلات بأكملها، وأجبر بعض الأطفال على ترك المدارس لأن آباءهم لم يعودوا قادرين على توفير ما يحتاجونه للتعلم. تم تدمير البيوت. إنها جريمة حقيقية ضد الطبقة العاملة المغربية»، تقول إحداهن، ثم تضيف بحزم: «منذ تسعة أشهر، ونحن نواصل الاعتصام هنا، يومًا بعد يوم، ليلًا بعد ليل، أمام فندق صاحب المصنع. لكل منا دور، لكل منا مهمة. نضالنا مستمر، منظم ديمقراطيًا، نتناقش، نتخذ قراراتنا معًا، وننفذها معًا. لا أسرار بيننا، لا قرارات تُتخذ خارج دائرة توافقنا.»
أمام الفندق، بنيت أكواخ من البلاستيك، تحمل فوقها أعلام الوطن، وتزينها لافتات تحمل صرخات العدالة، وأوراق كرتونية تزين الأرض تحت أقدامهن. داخل تلك الأكواخ، بطانيات متسخة، ملابس مبللة، أكواب وأطباق متناثرة. الرطوبة تخترق الأركان، والظلام يخيم على المكان، لا نور ولا دفء، إلا دفء الإرادة التي لا تنطفئ. ورغم الأمطار المتساقطة بغزارة، تقف العاملات، متحدات تحت هذا السقف المتهالك، يحملن قضيتهن في أعماقهن، مصممات على الاستمرار في المعركة، مهما كانت قسوتها. عندما ندخل إلى أحد هذه الملاجئ البلاستيكية، نجدهن ينتظرن، عيونهن تحمل قصتهن، يطلبن أن يُسمع صوتهن. أربع أو خمس نساء في مساحة ضيقة، معًا في مواجهة البرد القارس، تحت الأمطار الغزيرة، لا يرضخن، لا يتراجعن.
تقول عاملة أخرى، بصوت متعب : «منذ بداية هذه المعركة، تدهورت صحتنا الجسدية والعقلية بشكل مفجع.»
وتستمر قائلة: «لقد عانينا جميعًا من الاكتئاب، والكثير منا رحلوا قبل أن يحصلوا على ما كانوا يستحقونه. آخرون يعانون من أمراض خطيرة. لقد عملنا بجد طوال السنوات، ليلاً ونهارًا، حتى في زمن الجائحة، لمساعدة صاحب المصنع على سداد ديونه، كنا نأمل في استعادة حقوقنا، حقوقنا في التغطية الصحية التي سُلبت منا لثلاث سنوات، وفي ضماناتنا الاجتماعية، وفي رواتبنا التي لم تُدفع. لكن هذا كان مصيرنا، من المعاناة إلى الظلم المستمر.»
في زاوية ضيقة من الشارع، بين باقي المنشآت العشوائية، يبرز كوخ صغير مبني من البلاستيك، بسيط، لكنه يؤمن لها مكانًا. أمامه، تجلس عاملة مسنّة، جالسة على صندوق، تعرض مائدة صغيرة من الموز الطازج بعناية على طاولة خشبية، محاولةً أن تعيد ترتيب ما حولها، أن تجد نوعًا من النظام في هذا العالم المضطرب. وجهها، الموشوم بالتجاعيد والآلام، يحكي عن سنوات من المعاناة، عن شهور من الكفاح في العراء. تواصل بيع ما تملك، تجارة بسيطة تكفل لها البقاء على قيد الحياة، ولكنها لا تستطيع أن تغطي المسافة الكبيرة التي بين ما تعيشه وما تستحقه. تحت مظلتها ومعطفها، تحكي لنا عن كفاحها من أجل العدالة، عن سنوات من المقاومة، أشهر من النضال في الشوارع، بعيدًا عن عائلتها، حيث تجد في هذه المقاومة شكلًا من الكرامة التي لم تُسرق منها.
قوتنا الوحيدة تكمن اليوم في مقاومتنا، وحدتنا، وكفاحنا ضد هذا الثلاثي الذي يضطهد الطبقة العاملة: أصحاب العمل، البيروقراطية النقابية، وبعض المسؤولين السياسيين
« قوتنا الوحيدة تكمن اليوم في مقاومتنا، وحدتنا، وكفاحنا ضد هذا الثلاثي الذي يضطهد الطبقة العاملة: أصحاب العمل، البيروقراطية النقابية، وبعض المسؤولين السياسيين»، تقولها بحزم، وعيونها تحمل عزيمة لا تنكسر.
ثم تضيف: «لن نتراجع عن حقوقنا، إما أن نحصل على العدالة وحقوقنا، أو نبقى هنا. فقط الموت يمكنه أن يوقفنا عن الاستمرار في هذه المعركة.»
لن نتراجع عن حقوقنا، إما أن نحصل على العدالة وحقوقنا، أو نبقى هنا. فقط الموت يمكنه أن يوقفنا عن الاستمرار في هذه المعركة.
يستمر الاعتصام، يتخلله خطب لكل عضو من أعضاء الجمعيات الحاضرة، يعبرون فيها عن دعمهم. ويتم تنظيم إفطار جماعي، لحظة تضامن حقيقية قبل استئناف النضال. رغم الأمطار الغزيرة، تتوحد أصوات العاملات، الناشطات، والطالبات في نضال واحد، يرفعن أصواتهن ضد الظلم الذي عاشت هذه النساء تحته لسنوات. معركة من أجل العدالة والحقوق ستكون طريقًا صعبًا، لكنهن مصممات على الاستمرار في محاربة أصحاب العمل، واثقات أنه لا شيء سيوقفهن في سعيهن نحو الكرامة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق